فوتوغرافيا الشارع: الحلقة الأولى

وجدت في نفسي مؤخراً ولعاً بالتصوير والمصورين خصوصاً الأعمال المقدّمة في النصف الأول من القرن الماضي. وأجد نفسي ابحث دائماً في ما يسمى “فوتوغرافيا الشارعStreet Photography” وأحاول بعدة طرق تطوير معرفتي وربما خوض تجربتي الخاصة قريباً في نفس المجال. بداية من هذه التدوينة سأشارككم بالصور والمصورين الذين لفتوا انتباهي وأصبحت أفكارهم في مستودع الإلهام. قد أشير كذلك إلى كتب معيّنة ومعارض شاهدتها أو سأشاهدها مستقبلاً.

running legs1
من مجموعة “سيقان راكضة”

قبل عدة أيام صادفت مجموعة من الصور تحت مسمّى “سيقان راكضة” للمصورة الأمريكية النمساوية المولد ليسيت مودل Lisette Model. بحثت أكثر عن المصوّرة وحياتها وأعمالها ووُلدت هذه التدوينة.

ولدت إليز فيلك آميلي شتيرن في فيينا، في العام 1901م. والدها طبيب ايطالي/نمساوي من أصول يهودية أما والدتها فهي فرنسية كاثوليكية وعُمّدت مودل على دين والدتها. بعد سنتين من ميلادها غيّر والداها اسم عائلتهم إلى شيبرت.

model_8
ليسيت مودل بعدسة ويغي

تلقّت مودل تعليمها على يد عدد من المدرسين الخصوصيين وأتقنت ثلاث لغات. بعمر التاسعة عشرة بدأت دراسة الموسيقى مع المؤلف وعازف البيانو آرنولد شونبرغ وارتبطت بحلقة أصدقاءه الخاصة. تقول عنه “لو كنت سأختار أكثر المعلمين تأثيراً على حياتي فسيكون شونبرغ”. لكنّ مودل تركت الموسيقى في 1933م وتوجهت للتصوير والرسم. غادرت فيينا بعد وفاة والدها إلى باريس لدراسة صوت مغنية السوبرانو ماريا فرويند والتقت في تلك الفترة بزوجها المستقبلي الرسام اليهودي إفزا مودل. درست ليسيت عند الرسام والنحات الفرنسي أندري لوت. كما بدأت دروسها في التصوير بتعليمات بسيطة وتقنيات لتظهير الأفلام من أختها الصغرى أولغا شيبرت – وهي مصوّرة كذلك- . كما تذكر المصادر أنّها درست التصوير بالأساس مع المصور الباريسي روجي أندري.

model_2
من مجموعة “انعكاسات”

في العام 1934م زارت مودل والدتها في نيس الفرنسية – حيث استقرت هي وأختها أولغا- ، حملت معها في تلك الرحلة الكاميرا والتقطت صور مجموعتها “Promenade des anglais” التي اشتملت على صور بورتريه عن قرب للسياح المحليين. كانت صور أولئك الأغنياء ساخرة تفضح وحدتهم وقلقهم. نُشرت تلك المجموعة لاحقاً في الدورية الفرنسية الشيوعية “Regards”.

تزوجت ليسيت من إفزا مودل في العام 1937م وهاجرت معه في العام التالي إلى نيويورك الأمريكية هرباً من اضطرابات أوروبا السياسية. وهناك انضمت إلى رابطة مصوري نيويورك ودرست مع سيد غروسمان –مصور أمريكي ومعلم وناشط اشتراكي- . هناك عملت في الجريدة اليسارية “PM” والتي يُعتقد أنّ اسمها مرتبط بموعد صدورها المسائي. عملت مودل في معمل تظهير الصور ثمّ أصبحت مصورة للجريدة.

من مجموعة "انعكاسات"
من مجموعة “انعكاسات”

بحلول العام 1940م كانت صورها معروضة في متحف الفنّ المعاصر MoMa”” وتعمل في مجلة هاربر بازار. تحت اشراف المدير الفنّي للمجلة آنذاك اليكسي برودوفيتش، التقطت مودل صوراً غير تقليدية للنوادي الليلية بنيويورك وواصلت تجاربها في التصوير. عملت هناك حتى انتقلت للعمل كمدرّسة للتصوير في المدرسة الجديدة “The New School” وذلك في العام 1951م وحتى 1954م ثم من العام 1958م وحتى وفاتها. من أشهر من تعلم لديها المصورة ديان آربس صاحبة صورة التوأم الشهيرة التي ألهمت ستانلي كوبرك في فيلم The Shining.

حصلت مودل على منحة غوغنهايم في 1965م ومنحة أخرى من “CAPS- برنامج الفنانين المبدعين لخدمة المجتمع” في العام 1967م. عُرضت مجموعات من صورها في متحف سميثسونيان الوطني وجورج ايستمان هاوس.

legs2
من مجموعة “سيقان راكضة”

لصور مودل خصائص عامة يمكن أن أوجزها في التالي: عنيفة ولها صبغة كابوسية أحيانا بسبب ارتجاجها وانعدام الألوان فيها. في الصور مشاعر قهر واختناق وكأنها التقطت من قبل شخص اختل توازنه بشكل مفاجئ على حافة الرصيف أو تعثّر بشخص عابر. كما أنها تفضل دائماً طباعتها بأحجام ضخمة مقارنة بالمصورين الآخرين (16×20 بوصة). صورها لا تدّعي الكمال والفنية ولذلك هي مذهلة ومحببة!

بالنسبة لمجموعتها التي لفتت انتباهي اعتمدت فيها التقاط الصور من زاوية منخفضة، تركز على أجساد المارّة من الخصر لأسفل، ولها مظهر مضطرب نتج من سرعة التقاط الصورة وحركتها هي والهدف. هذه السرعة تلتقط عجلة وول ستريت وساعات الذروة النيويوركية على الجادة الخامسة وغيرها. كما يظهر تأثرها بتعليمها الموسيقي بطريقة خاصة.

lisetteModel-glamour
من مجموعة “انعكاسات”

تقول مودل “لا تلتقطوا صورة لشيء لا يثير شغفكم، أبداً” وتتحدث عن التصوير العفوي الخاطف Snapshot وتقول “أحبّ اللقطات الخاطفة لأنها الأقرب إلى الحقيقة من بين كلّ الصور. في اللقطات الخاطفة علّة واضحة ونقص، ومن هنا تأتي فتنتها”.

عندما سألها المصور الأمريكي إدوارد وستون عن سرّ التأثيرات التي تظهر على صورها أخبرته بأنها تأخذ أفلامها للتظهير في متجر/صيدلية على ركن الشارع. جوابها السّاخر وصورها المضطربة وانعدام التركيز فيها، كل هذا يجتمع فيعكس تجاهلها للقواعد الفنية واحتقارها للعالم كما كانت تعرفه.

توفيت مودل في 1983م بسبب أزمة قلبية.

كنت هناك: مكتبة مايكل سايدنبرغ السرية

 

كتبت التغريدة أعلاه في مارس 2013م، كانت أقرب إلى الأمنية مع إنني كنت أعلم حينها برحلتي المقبلة إلى نيويورك. توقفت عن التفكير في مكتبة مايكل سايدنبرغ في اللحظة التي نشرت فيها تلك التغريدة. ومضت الشهور سريعاً وصولاً إلى أغسطس، سافرت في نهايته تقريباً وتواصلت بالبريد الإلكتروني مع مايكل بخصوص زيارة مكتبته ولم أجد رد. أُحبطت قليلاً لكنني لم أتوقف عن البحث والمحاولة. ولكن، قبل أن استرسل في الحديث عن مايكل ومكتبته سأخبركم قليلاً عنها. مايكل سايدنبرغ كاتب وبائع كتب نيويوركي شهير، بدأ هذه المهنة في سبعينات القرن الماضي، ولكن ومع مرور الوقت وتراجع مبيعات الكتب وارتفاع الإيجارات النيويوركية قرر مايكل نقل مكتبته لشقته الخاصة، وبيع الكتب المستعملة والجديدة فيها بلا تصريح وبلا ملاحقة ضريبية! مكتبة خاصة تشبه حانات بيع الكحول وقت الحظر في بداية القرن العشرين Speakeasy وهذا ما ستفعله عزيزي الزائر. ستحاول البحث عن مايكل والتواصل معه ثم الوصول لمكتبته. ولكن مايكل لا يجيب على رسائلي، وشككت بأنّ البريد الإلكتروني الذي أرسلت عليه التماساتي وشرح لقصتي وأنني سآتي من خلف المحيط لنيويورك وأنّ مكتبته أكثر مكان سأحرص على زيارته. بلا ردّ. فكرت من جديد ووجدت أن التواصل مع رئيسة تحرير المجلة الإلكترونية التي يكتب بها سيقودني إليه، وكان ذلك ما حصل وكتبت لرايتشل روزنفيلت وأرفقت رسالتي السابقة لمايكل بها، لم تمض عدة ساعات حتى وجدت الردّ المبهج منها. قالت لي أنها تواصلت مع مايكل ليقرأ رسالتي ويعود إليّ، وفي حالة لم يحدث ذلك ستعود هي لتخبرني بالتفاصيل. أتذكر جيداً أين وصلني الرد الأول من مايكل – بعد عدة أيام طبعاً- كنت على شاطئ المحيط أتأمل النوارس والأطلسي العظيم. رحب مايكل بزيارتي وزودني برقم هاتفه الذي يقول في الفيلم التسجيلي القصير أنه متوفر للجميع في حالة بحثوا عنه في الدليل، ولكن من يستخدم دليل الهاتف اليوم؟.

بدأت بالتفكير في رحلتي، وانتظر تواجدي في نيويورك على أحرّ من الجمر. وجاء سبتمبر سريعاً كما تمنيت. بعثت برسالة قصيرة لمايكل استفسر عن عنوانه في منهاتن. سكنت في رحلتي الأولى في بروكلين في منطقة بعيدة عن شمال شرق منهاتن حيث يسكن واحتجت لمعرفة الوقت للخروج والعودة لأن غروب الشمس كان بمثابة ساعة سندريلا وإعلان للعودة. لم يزودني بعنوانه وعلق: عندما تتواجدين في منهاتن وقبل وصول بحوالي 30 دقيقة سأبلغك بمكان السكن. سرية أكثر من هذا؟ شعرت بالرعب قليلاً وضحكت أختي من جنوننا واقتحامنا لهذه المغامرة. ماذا لو كان مايكل شخصاً مختلاً يستخدم الكتب لاستدراج القرّاء لكهفه لقتلهم والتهامهم؟ لم نكثر من هذه الأفكار الدرامية.

تحمسنا للوصول وخلال الوقت المتفق اتصلت به وبعث بعنوان الشقة 7. حملت معي مبلغ نقدي جيد –أو هكذا اعتقدت- ووصلنا للمبنى. حاولت أختي إثارة رعبي للمرة الأخيرة. على باب المبنى وبجانب كل جرس للشقق يظهر اسم الساكنين. لكن الشقة 7 لم تحمل اسماً. وهذا شيء آخر يعطينا إشارة للعودة.

SeidenbergA-edit
Warby Parker Blog

لم أتردد في ضغط الزرّ وبلا سؤال فُتحت البوابة أمامنا، صعدنا كما شرح لي ووصلنا للشقة، كان مايكل أمام الباب ومشهد الكتب التي وصلت حتى الباب سبب لي الدوار واختلطت بداخلي المشاعر. احتجت لعدة دقائق حتى استعدت توازني واعتذرت منه لأكثر من مرّة، دمعت عيناي وخذلتني بشكل لم أتوقعه. أنا هنا، أنا في مكتبة مايكل سايدنبرغ السرية بعد عدة أشهر من الانتظار والحلم. تبادلنا الاحاديث الخفيفة في البداية، التعارف وقصة رحلتي واهتماماتي. حدثته عن مهرجان بروكلين للكتب والذي لن استطيع حضوره للأسف لتعارضه مع موعد بدء دراسة أخوتي وعودتنا لبنسلفانيا. ضحك مايكل وعلّق: هكذا أفضل. أبدى امتعاضه من هذه المهرجانات “الصورية” والتي لا تخدم الكتاب والقراء على عكس ما تعلن. واعترف لكم، شعرت بالراحة واختفى شعور الحسرة الذي عشته لأيام بسبب ضياع الفرصة. بدأنا باستكشاف الرفوف وحاول مايكل جاهداً مقاومة التوصية بأحدها. تكلمنا كثيراً وعن كلّ شيء، من الكتابة للكتب للسياسة والربيع العربي والثورات العالمية والماركسية – يبدو أنّ مايكل شيوعي متخفّي تفضحه كتبه- والإخوان المسلمين! تحدثنا أيضا عن تجسس الحكومات وضحكت منى من تشاركنا للخوف الطفولي الذي أثبت حقيقته اليوم “في أجهزة التلفزيون زُرعت شرائح للتجسس علينا”. تحدثنا لثلاث ساعات متواصلة، لم انتبه معها لحرارة منهاتن الخانقة، ولا لغروب الشمس. وجدت كلّ كتب الحياة الممكنة، حتى لم استطع شراء أيّ منها بسبب الحيرة. مايكل يؤكد أنني لم أكن احتاج لشراء الكتب وأنّ زيارتي للمكان ولقائي به كافٍ. وجدت منى غرفة صغيرة في الشقة تكدست فيها كتب الفنون والرسم والتصوير، حملت بعضها معها وقررنا التبضع. في غرفة أخرى، طبعات أولى لدور نشر عالمية، بنغوين وراندوم هاوس وكتب أخرى لنيويورك رفيو أوف بوكس. رؤية الكتب ذكرتني بالترجمة التي كنت أعمل عليها آنذاك. ترجمة رواية “كل شيء يمضي” للكاتب الروسي فاسيلي غروسمان. أخبرت مايكل بالكتاب واتبعت جملتي بـ إنه كاتب روسي إذا كنت تعرفه. أعرفه؟! علق مايكل بدهشة وأبدى إعجابه بمشروعي الهائل! إنه كاتب عظيم. وأنت تصنعين شيئا مذهلاً، ترجمة رواية للمرة الأولى بلغتك الأمّ. اعترف بأنّ مشاعري تغيرت 180 درجة بعد تعليقه، كنت أعلم بأنني أصنع شيئا مدهشا واستمتع بذلك. لكنّ، تغيرت نظرتي للموضوع بعد أن استمتعت للملاحظة الخارجية. خارج عقلي، خارج رؤيتي ومشاعري الخاصة.

secret1
Via The New School Free Press

اخترت كتب عن همنغواي، وكتاب عن جون شتاينبك. وعرض عليّ مايكل رواية للكاتب النيويوركي جوناثان ليثم. قال لي هل رأيتِ هذا الكاتب المشهور؟ لقد كان يعمل في مكتبتي وهو صغير. والآن ينشر رواياته ويقدم نصائحه للكتاب. الرواية التي اقترح علي شراءها هي “Chronic City” لماذا هذه بالذات؟ يقول لأنها الشخصية الرئيسية فيها مقتبسه عنه، حتى الكلب ذي الثلاثة أرجل فيها، كلبه هو. تبنى مايكل الكلب منذ زمن، وذات مرة قابلته سيدة في الشارع وأخبرته بأنّ كلبه يشبه كلباً قرأت عنه في رواية لجوناثان ليثم وحدثته عنها. ضحك مايكل من هذه الصدفة وأخبرها بأنّ الكلب الذي يرافقه هو بطل تلك الرواية وأن البطل مقتبس عن حياته، يقول أنها ابتسمت ومضت، ربما لم تصدقه!

عندما انتهينا من التسوق وبعد تأمل النسخ القديمة التي حصلنا عليها وبعضها توقفت طباعته منذ عقود مضت. اقترحت على منى الذهاب لماكينة الصرف الآلي وسحب المزيد من المال لتفادي الإحراج. لكنها وبعد عودتها وحساب تكلفة ما حملناه صعقنا – قليلا – ثمّ سألنا مايكل عن المبلغ الذي نحمله وأخبرناه بأننا نحمل 140 دولاراً تقريباً، قال هاتوا ما معكم واكتفى به. شعرت برغبة عارمة في البكاء. بعض الكتب الفنية القديمة والنادرة التي أخذتها منى تصل قيمتها إلى أكثر من 100 دولار. هذا إذا استبعدنا قيمة كتبي. لم يكن مايكل يحاول استدراجنا لشراء المزيد من الكتب، ولا يبحث عن المكسب المادي الضخم، إنه يريد فقط دفع فواتير إيجار المكان – الذي لا يسكن فيه فبيته يبعد عدة شوارع- ويريد اللقاء بالمهتمين والشغوفين بالقراءة حول العالم.

secret2
The New School Free Press

في مكتبة سايدنبرغ اجتماعات أسبوعية يلتقي فيها أصدقاءه من الكتاب والفنانين. مكتبته مكان للقاء الشبان والشابات الذين يحلمون بتغيير العالم ونشر السلام. حدثني عن انطلاقة “Occupy Wall street” الحركة الاحتجاجية النيويوركية وأن أحد الذين اطلقوها كان يجلس على الكرسي الجلدي العتيق حيث جلست لأستريح وتحدى أصدقاءه – ومايكل – بنشر تغريدات تحشد الآلاف من البشر في ذلك المكان وفي وقت قصير. بعد هذا السرد التاريخي المميز عرض علينا البقاء ومشاركتهم الاجتماع الأسبوعي لكننا اضطررنا للمغادرة، وأخبرني بأنّ العناوين التي أريد شراءها في المستقبل سيجهزها ويمكن لمنى استلامها منه وإرسالها للسعودية.

hemingway11

لم استوعب تفاصيل ذلك المساء سريعاً. حتى الكتب التي حملتها لم أتصفحها حتى عدت إلى بنسلفانيا بعد عدة أيام. ووجدت في الكتاب الذي يختصر حياة همنغواي في صور وتعليقات وقصص مكثفة، فاصل كتاب أثار اهتمامي. يبدو فاصل الكتاب كبطاقة أعمال يقدمها مكان ما، اسم المكان Bookforum”” وعنوانه في برودواي، مقابل جامعة كولومبيا ويفتح أبوابه سبعة أيام في الأسبوع ليلا ونهاراً، ويبيع الكتب الأكاديمية، وكتب بأغلفة ورقية، وأغلفة متينة، وكتب مستعملة ومخفضة! كلّ هذا في مكان واحد! استغربت في الحقيقة من اسم المكان وخدماته ولماذا لم أجده في دليل مكتبات نيويورك وبحثي الذي قضيت فيه ساعات وساعات للتجهيز لتسوقي الورقي خلال تواجدي. لم يكن هناك عنوان لموقع الكتروني فخمنت أنّ المكان قديم، أو على الأقل هذا الفاصل. بحثت في غووغل عن المكتبة وموقعها ولم أجد أيّ شيء، في كل مرة كنت اكتب فيها العنوان المفصل يظهر لي مطعم سوشي “Vine Sushi” هذا عنوانه وهذه جامعة كولومبيا مقابلة له. كانت هناك مكتبة صحيح، ولكنّها أقفلت أبوابها في 1995م – قبل حوالي 20 عاماً- بسبب ديون متراكمة لم أجد هذه المعلومات بالتفصيل وكل ما وصلت إليه هذه المقالة التي نُشرت في 1998م في جريدة نيويورك تايمز ويأتي فيها إشارة للمكان الذي أصبح اليوم مطعماً للسوشي. هذه القصة الطريفة والغريبة تظهر علاقة البشر بالقراءة والكتب والطعام وتفاوت هذه الأولويات وتفاوت أهميتها مع مرور الوقت.

كنت قد وعدت مايكل سايدنبرغ بعدم الإفصاح عن مكان مكتبته، أو نشر موقعها على الإنترنت، ولم التقط صور للمكان لأنني ببساطة خجلت من رفع هاتفي واقتحام خصوصيته. وجدت لاحقاً الكثير من الصور التي نشرها الزوار وأصدقاءه وأرفقوها بكتابتهم عن المكان وندمت لأنني لم أفعل. ربما في رحلتي القادمة. قبل عدة أيام أرسلت رسالة الكترونية لمايكل أخبره عن نشر الترجمة ووعدته بإحضار نسخ من الكتاب المترجم للمكتبة في المرة القادمة. سيضع الرواية مع الكتب العالمية في مكتبته السرية، وقد يجد قارئ عربي نفسه هناك ذات يوم وسيسعدني اكتشافه لترجمتي. لم أجد ردّ على رسالتي حتى لحظة كتابة التدوينة. وقد استعين برايتشل من جديد!

كنزة حمراء.

redcardigan
By Amanda Blake

أعرف أنني أكثر صبراً الآن. كيف؟ لأنني لا اقتلع أوراق البقدونس من سيقانها بالسكين وبسرعة. أفكك الحزمة برفق واسحب السيقان واحدة تلو الأخرى برفق. ثم أقص الذي لا احتاجه منها. كانت هذه الحقيقة غائبة تماماً عنّي، الركض الدائم في رأسي لألحق بموعد لا أعرفه. وغير حكاية البقدونس الكثير من التصرفات التي لاحظت توقفي عنها مؤخراً. مقاومة الكرنفال في رأسي وعدم نقله للخارج آتت ثمارها كما توقعت. أتنفس، أعد حتى الثلاثة وأفكر: لماذا الركض على الدرج؟ لماذا اشد الملابس من علاقاتها؟ لماذا اصطدم بطاولة الطعام في طريقي للمطبخ وأُهشّم اصبع قدمي كلّ يوم؟ هل أنا في عجلة للحاق بشيء؟ لا طبعاً. استيقظ في وقت مناسب، واستعد في وقت مناسب، وأراقب الوقت إذا كان هناك شيء مُنتظر.

قبل بداية العام كتبت أربعة عشر هدفاً لأحاول تطبيقها، وذكرت بأنني سأذكر تجربتي في ذلك وأدوّن عنها كلما سنحت الفرصة. في هذه الحالة وللحدّ من العجلة والركض –بلا سبب- يمكن التفكير في هدفين: التنفس بشكل أفضل، وتجنّب الدراما! تحتاج هيفا التفكير بهدوء والتحرك بهدوء أكثر ويمكن بالتنفس علاج ذلك، كلما أصبح التنفس أبطأ كلما زاد تركيزي في المحيط حولي واللحظة المهمّة التي لا تتكرر.

خلال فبراير يرتدي الكثير من السيدات –والرجال أحيانا- اللون الأحمر دعماً لنشر الوعي بأمراض القلب. هناك يوم قوميّ أمريكي وبريطاني لذلك، ويقع كلاهما في شهر فبراير. بالأمس -7فبراير- كان يوم ارتداء الأحمر في أمريكا والذي يحلّ في أول جمعة من كلّ فبراير. وإذا فاتكم ارتداء كنزة حمراء أو شال للتعبير عن دعمكم للمبادرة. يمكنكم مشاركة البريطانيين في يومهم لارتداء الأحمر والذي يحلّ في 26 فبراير الجاري.

12109743

أقرأ منذ عدة أيام في “قصص تولستوي” بترجمة غائب طعمة فرمان والصادرة من دار المدى. وهكذا بقراءة الكتاب والاستماع لـ “آنا كاريننا” تبدأ رحلتي مع الأدب الروسي، وقد يكون هذا مشروعي القرائي لهذا العام إلى جانب قراءاتي الأخرى. القصص المنشورة في هذا الكتاب كُتبت بين (1828-1910م)، كتبها تولستوي على مدى نصف قرن وتشمل نماذج من مجمل إبداعه. أحبّ دائما البحث عن قصص الكتاب القصيرة، واعتقد شخصياً إنها الطريقة الأفضل للدخول لعالمه، لسببين: لأنه يكتبها على مسار حياته الأدبية وفيها تتضح شخصيته وهي تتبلور، والسبب الآخر كونها نماذج مصغرة لما يمكن للقارئ توقعه في الروايات أو الأعمال الأخرى.

الأسبوع الماضي أيضاً شاهدت هذا الفيديو الخفيف والممتع لغريتشن روبن –مؤلفة كتاب مشروع السعادة وكتب أخرى- تتحدث فيه عن اكتساب العادات وتغيير الحياة وارتباطها بالسعادة. تناقش موضوع مهمّ وقد لا ننتبه له، وهو اختلاف البشر وطبائعهم في تلقّي الأوامر وتغيير العادات وكيف يمكن لفهمنا الأعمق بهذه الاختلافات مساعدتنا في اكتساب العادات بسهولة وتغيير حياتنا.

قسّمت غريتشن الأشخاص إلى الأقسام التالية:

– المؤيد: وهو الذي يتفاعل بسرعة وجاهزية تجاه الأوامر التي توجه له، سواء كانت داخلية من نفسه أو خارجية من رؤسائه أو المجتمع أو أيّ شخص سواه. والأمر نفسه ينطبق على العادات.

– المستفهم: شخص يطرح الأسئلة ويشكك في كل الأوامر التي توجّه له، ويحتاج المزيد من التوضيحات حتى يصل للاقتناع بها أو إيجاد سبب منطقي لها.

– الثائر: يقاوم كلّ القوانين والأوامر. سواء كانت داخلية أو خارجية.

– المدفوع: يتجاوب مع الأوامر الخارجية ويجد مشقة في التجاوب مع الأوامر الداخلية التي تصدر من نفسه.

تذكر روبن أنّ الثوار يشكّلون أقل نسبة من البشر، ثم يزيد عنهم بقليل المؤيدون، ويقع الغالبية بين المستفهمين والمدفوعين. أيضاً لكل من هذه الأنواع هناك إيجابيات وسلبيات، ومعرفة أنفسكم ونقاط ضعفكم أو قوّتكم سيساعدكم في التوصل لأفضل الطرق التي تروضون فيها حياتكم للتغيير. فالمؤيد يجد دافعيته في الإنجاز التام لما يُطلب منه والعمل معه جيد لأنه يتبع القوانين ولا يحتاج لرقابة ومتابعة ويفعل ما يتوقع منه لكنّ ذلك أيضاً يدفعه لظهور أسوأ ما فيه وهو القلق الدائم والتوتر كي لا يفشل أو يخذل الآخرين وأولهم نفسه وتحدّه القوانين وتؤطره وتتعبه بيئات العمل التي لا قوانين بها. لا يريد المؤيّد أن يلام، ويستيقظ صباحا ليتساءل
“ماذا على جدولي اليوم؟ ماذا أفعل اليوم؟”،
لدى المؤيد فكرة ثابتة عن القوانين ويريد للجميع العمل بها. أما النوع الثاني “المستفهم” فيجد دافعيته في صوت المنطق. يحتاج أولا التحقق من وجود المنطق ليقرر بنفسه اتباع الأمر أو تجاهله. ولا يتبع القوانين التي تتعارض مع المنطق أو تميل للعشوائية. العمل معهم صحيّ للمنظمات فهذا يعني الدقة والتحقق من الأمور قبل القيام بها. لكنّ ذلك يجعلهم يخفقون في أمور أخرى تظهر سلبياتهم، المستفهم لا يتناول الدواء الموصوف له إذا لم يكن منطقياً ويجيب على تساؤلاتهم. يحتاج المستفهم للمزيد من المعلومات كذلك وهذا يعني تعطله عن إنجاز العمل. ويعترف كلّ منهم بأن هذا متعب على المدى البعيد. يستيقظ المستفهم ويسأل نفسه “ما الذي يحتاج للإنجاز اليوم؟”.
أما النوع الثالث “الثائر” فيجد دافعيته في رغبته الحالية. يقاوم الثائر السيطرة والتحكم سواء كان مصدرها خارجياً أو داخلياً. يحبّ أن يتخذ قراراته من شعوره بالحرية. يجد الثائر نفسه مدفوعاً لكثير من التصرفات بالحدس أو الرغبة فقط. وستجدون في حديثه إحساس بالتحدّي “سأريك..” “انظر كيف افعل ذلك..”. و عبارات مثل “سأفعل ذلك لأنني أحبك وليس لأنه يتحتم علي” وجمل على شاكلة “لا يمكنك إجباري على فعل ذلك” و “سأفعل ذلك لأنني أريده وليس لأنك طلبته مني”. أي شيء تطلبه من الثائر سيفعل عكسه، ويقاوم كلّ التحكم ولا يعطي نفسه أي قوانين. ميزة العمل مع الثائر تتمثل في الابتكار والعمل خارج الحيز المرئي، لديه حماسة واندماج في العمل والمشاريع. لكنّ مساوئ شخصيتهم تتمثل في مقاومتهم للقوانين وعكس الكلام وهم أيضاً متعبون من ذلك ولا يستطيعون الالتزام بعادات شخصية. الثائر يستيقظ صباحا ويتساءل “ماذا أريد أن أفعل اليوم؟”. أما النوع الرابع والأخير “المدفوع” ويجد دافعيته في الأوامر الخارجية والمسؤولية. سيجد صعوبة في الأوامر أو العادات الداخلية ويكره أن يخذل الآخرين أو كسر توقعاتهم. ستجدونه يتفاعل بشكل جيد مع مواعيد تسليم المهام النهائية، مع التدريب وجماعات العمل والمرشدين، ويحمل على عاتقه مسؤولية القدوة الجيدة. العمل معهم عظيم لأنهم يسمعون ويطيعون. أما مساوئ شخصيتهم فيشعرون بها في أنفسهم بسبب سعيهم الدائم لإرضاء الآخرين ينسون أنفسهم كثيراً. وهم الأكثر عرضة للاحتراق النفسي، وليس لديهم الدافع للبدء بمشاريع أو مهامّ تخصهم.

هذه هي النقاط الرئيسية التي احتوى عليها الفيديو، حاولت ترجمتها بأفضل شكل ممكن واختصارها لكم.

مخرج تولستويّ:

“أيعقل أن الناس يشعرون بالاكتظاظ في العيش في هذه الدنيا الرائعة، وتحت هذه النجوم التي لا تسبر؟ وهل يمكن حقاً أن يبقى في نفس الإنسان شعور الحقد والانتقام ونوازع القضاء على بني جنسه؟ يبدو لي أن كل ما في قلب الإنسان من شر لا بد سيختفي في تماسه بالطبيعة، بهذا التعبير الأعظم فصاحة عن الجمال والخير”

النصائح الذهبية للكتابة الماركيزية

Marquez-funny

 

  1. أكتب ما تعرفه.

    “إذا كنت سأقدم نصيحة لكاتب شاب، سأقول له أكتب عن شيء حدث لك. يمكن دائما اكتشاف ما إذا كان الكاتب يكتب عن شيء حدث معه أو شيء أُخبِر به. يدهشني دائما الإعجاب الذي تحظى به كتاباتي لكونها تولد من مخيلتي. والحقيقة أنني لم أكتب سطراً واحداً بلا أساس واقعي.”

  2. اقتبس من طفولتك.

    “لقد اكتشفت أنّ كلّ أحداث طفولتي تحمل قيمة أدبية. والآن أصبحت أقدّرها أكثر.”

  3. أوجد السّحر.

    “مئة عام من العزلة” رواية استخدم ماركيز فيها الواقعية السحرية. تحتوي القصة على سجاجيد طائرة، والسيمياء –الكيمياء القديمة-، حلويات تصيبكم بالأرق وتفقدكم الذاكرة. لقد تعلّم ماركيز كتابة القصص بهذه الطريقة من جدته. كانت تحدثه عن أشياء خارقة للطبيعة، أشياء أسطورية. لكنّها كانت تروي القصص بطريقة جادة وطبيعية. يسمّي ماركيز ذلك بـ الوجه الخالي من التعابير Brick Face. نبرة الراوي لا تتغير بانتقاله من العناصر السحرية للعناصر الواقعية، ولا يتعرض للمقاطعة.

  4. كن صحفياً.

    “لقد ساعدتني الصحافة في كتابة الروايات فقد أبقتني قريباً من الواقع.” على الرغم من عنصر الفنتازيا في أعمال ماركيز إلا أنّ قصصه بُنيت على أسس واقعية. والسبب في ذلك؟ تدريبه الذي تلقاه كصحفي. فالكثير من كتّاب القرن التاسع عشر والقرن العشرين كانوا صحفيين في البدء من بينهم مارك توين، إرنست همنغواي، وجون شتايبنك.

  5. اجعل قارئك يصدّقك.

    “في الصحافة يختل العمل بالكامل إذا كانت هناك معلومة خاطئة. على النقيض من ذلك، في الرواية تمنح معلومة واحدة حقيقية الشرعية للعمل بالكامل. هنا يكمن الفرق الذي يعتمد على تفاني الكاتب. يمكن للروائي فعل أي شيء يدفع بقارئه لتصديقه”. سبق وتحدثنا عن الكتابة عما تعرفونه لكنّ ذلك يعد الأساس ونقطة البدء للاختراع. عندما تخترعون شيئاً صدقوه أولا. وإلا كيف ستتوقعون من الآخرين ذلك؟

  6. خذ قفزات بالأحاسيس.

    من العناصر المدهشة في أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، الطريقة التي يدمج فيها بين الأحاسيس والمشاعر الغير متوقعة. مثال على ذلك مدخل رواية “الحبّ في زمن الكوليرا” الذي كتب فيه ماركيز “رائحة اللوز المرّ تذكره دوما بمصير الغراميات غير المواتية”. اللوز والغراميات الغير مواتية كيف يمكن الربط بينها؟ لستُ متأكدا لكنّ الرابط مذهل.

  7. استخدم الرمزية السياسية.

    احتجت لقراءة أكثر من 59 صفحة من “مئة عام من العزلة” لاكتشف أنّ ماكوندو كانت رمزاً لكولومبيا. كتب ماركيز الرواية وسط الاضطرابات السياسية لستينات القرن الماضي، وصوّرت الرواية مشاعره تجاه وطنه الذي يحبه. سرّ الكتابة بالرموز السياسية يكمن في ثلاثة أشياء –كما في كتابة القصص تماماً- “تسلية القارئ، الترفيه عنه، ثم تثقيفه” يمكن للحكايات السياسية تثقيف القارئ لكن إذا لم تسلّيه وترفه عنه لن تحظى بالكثير من القرّاء. 

 

* تُرجِمت هذه النصائح عن “7 Writing Lessons From Gabriel Garcia Marquez” للكاتب “Joe Bunting”.

قصص ماركيز الضائعة وقهوة فيتنامية

??????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????

قبل بداية العام الجديد ملأت قارئي الإلكتروني بمجموعة كبيرة –كبيرة جداً- من الكتب الإلكترونية، ابتعت بعضها والبعض الآخر حمّلته من مدونات وبواسطة التورنت، والمجال لا يتسع للحديث عن رأيي في الحصول على الكتب المقرصنة على الإنترنت، لكنني سأفعل على الأقل في هذه التدوينة. تحدثت قبل عدة أشهر مع مكتباتيّ نيويوركي عظيم وأسعدني أننا نلتقي على أرضية مشتركة في هذا الموضوع، ليس لأنني لا أملك رأياً، بل لكي أشعر براحة وتأييد. الفكرة تقول: بأنني صرفت خلال حياتي القرائية ما يكفي لتغطية جشع دور النشر في العالم، وأن حصولي على الكتب بطريقة مجانية لا يعني بأنني توقفت عن دفع المال لشراء الكتب. وهذا ينطبق بالتأكيد على الموسيقى والأفلام والبرامج الوثائقية التي نسلك كل الطرق الملتوية للوصول إليها. هل كان ذنبي بأنني ولدت في هذا النصف من الكرة الأرضية؟ وأن رفاقي في النصف الآخر سيتمكنون من مشاهدة وقراءة الكتب بدفع مبالغ رمزية لا تُذكر بينما أحرم من ذلك بسبب الامتناع عن الهدايا المجانية في الإنترنت؟ إنّها هداياهم لنا، يسجلون ويعيدون النسخ ويرسلون إلينا وردّ الهدايا يزعجني كثيراً.

15853660

أعود للكتب التي ملأت بها جهازي وكان من بينها كتاب “قصص ضائعة” لغابرييل غارسيا ماركيز، كتاب خفيف يقع في مئة صفحة تقريباً، كُتب على غلافه الخلفي:

لستُ أدري إذا كانت توجد. ولا بد من وجودها، كتب تجمع مثل هذه القصص التي تتكرر في جميع أنحاء العالم، والتي يؤكد رواتها أنهم كانوا شهود عيان على وقائعها. وهذا يعني: إما أن الرواة يكذبون، وهو أمر محتمل، وإما أن تلك القصص تحدث فعلاً بشكل متشابه في أوساط ثقافية متباينة، وأزمنة مختلفة”

القصص التي يعنيها ماركيز ويبدأ بها كتابه الممتع جداً، هي الأساطير المحلية والقصص التي يرويها الناس والأصدقاء في مناسبات عدة وينسبونها لأشخاص مختلفين في دول مختلفة. ولكن، لا أحد يعرف أين بدأت بالفعل. قصص مثل سيدة تركب السيارة بصحبة مجموعة من الأشخاص، وبعد قطع مسافة من الطريق تختفي بعد تحذيرهم من منعطف خطر. قصة أخرى عن سيدة لا تتناول الطعام الكافي في منزلها وتثير ريبة زوجها الذي يكتشف بأنها تخرج لتناول الطعام في المقابر وتعيش على جثث الموتى. يروي ماركيز قصة غرائبية حدثت معه على الطريق من برشلونة إلى بيربينيان ومعه زوجته مرسيدس وطفلاه. كان يسير بسرعة مئة كيلومتر في الساعة حين راوده فجأة إلهام لا تفسير له يدعوه لتخفيف السرعة قبل أن يصل إلى المنعطف. وتجاوزته السيارات التي كانت وراءه ولا يمكنه نسيانها: شاحنة صغيرة بيضاء، وفولكس واجن حمراء، وفيات زرقاء. ما زال يذكر الشعر المجعد الأشقر للهولندية التي كانت تقود الشاحنة الصغيرة. وبعد أن تجاوزتهم السيارات الثلاث في نظام كامل، اختفت عن أعينهم في المنعطف، لكن ما لبثوا أن التقوا بها بعد لحظة، وقد اختلطت ببعضها في ركام من الخردة المدخنة مصطدمة بشاحنة ضخمة كانت قادمة من الاتجاه المعاكس.

ماركيز حكّاء مدهش، وكلما سنحت لي الفرصة أعلن بثقة أنني أحبّ أعماله الواقعية –مقالات وسيرة وخطابات- أكثر من رواياته وقصصه، وأعود لأفكر: إنّه يبني الكثير من قصصه على حياته الواقعية وربما كان هذا المكوّن السحري السرّ في تعلق محبيه به.

يتحدث في قصصه الضائعة عن أمور شتّى ويستطرد – وأنا أحب الاستطراد- للتحدث عن التاريخ ومؤلفات وكتاب وسياسيين. أيضاً وردت تفاصيل مهمّة عن تبّني روايته “مئة عام من العزلة” سينمائياً وستجدون ذلك تحت العنوان “إحدى حماقات أنطوني كوين”. ويتحدث عن جائزة نوبل ونظرياته الشخصية حولها وحول ارتباطها بوفاة من يحصل عليها –طبعاً هنا يورد أسطورة شهيرة قد لا يؤمن بها بالضرورة-، لفت انتباهي هذا الجزء وكنت أفكر فيه وهل كان يتوقع حصوله عليها قبل كتابته؟

في عدة ساعات سيحملكم ماركيز على بساط الريح –أو الكونكورد- متنقلاً من قصة لأخرى، من الشيخوخة لهفوات البرامج التعليمية، لأخطار التدخين ويختم الكتاب بعنوان مدهش وقصة لافتة “الزوجات السعيدات ينتحرن في السادسة”. إنه رجل بألف وجه، وألف ذاكرة. القراءة له تنعش شهّيتي وتعيد ألوان الحياة ودفئها في روحي، صدقاً لم أجد كاتب يوازي مكانته في نفسي، مع أنني أبحث وافتح ذهني واستعدّ.

من جهة أخرى، شاهدت بالأمس وثائقي سيعجبكم –على افتراض إن كل توصياتي الوثائقية تعجبكم- وثائقي عن طريق القهوة. ولكن هذه المرّة يعرض الوثائقي قصة القهوة الفيتنامية بالتحديد. كنت دائما أفكر في أمريكا الجنوبية، أفريقيا، واليمن وإندونيسيا عندما أفكّر في القهوة. لكن فيتنام، لا. في الوثائقي يذهب سيمون ريف إلى فيتنام لتتبع القهوة من الشجرة إلى الكوب. يريد سيمون إيجاد أصل 500 مليون كوب قهوة أسبوعي في إنجلترا! في الوثائقي إحصائيات ومقابلات وحقائق جميلة ومحزنة.

مخرج ماركيزي

“أحبّ الحديث عن ابنيّ، لأنهما مثل أمهما: واثقان من نفسيهما وذكيان وجديان. وأحب الحديث عن قرحتي الاثني عشرية، التي لا تستكين إلا عندما أكتب، لأن الأصدقاء لم يوجدوا لمشاركة أحدنا حياته الطيبة فقط، وإنما للتخوزق معه كذلك”