صعب السؤال؟

أحبّ الأمثال الشعبية والمجازات التي نستخدمها في لغتنا اليومية لتمسك بيدنا وتقودنا إلى أماكن ما كنّا سنصلها. واحد من الأمثال المحببة لديّ «الكلمة الي تستحي منها بدّها» ويستخدم هذا المثل كتمهيد لقول ما نتردد فيه أو نخجل منه. يشبه الاستئذان والتهيئة لما سيأتي بعده من حديث. أحبّه لأنه جزء من التفاصيل الصغيرة التي تشير إلى تهذيب وحرص من المتحدث لما سيقوله لاحقًا وربّما لأن فيه جرعة شجاعة تحفزنا للإقدام على القول.

نستخدم أنا ولبنى* مثل آخر في أيام العمل الصعبة أو التي نواجه فيها حوادث صغيرة في الصباح «لقد ابتلعتِ الضفدع باكرًا يا هيفا» وابتلاع الضفدع هذا قصة أخرى. وابتلاع الضفدع المجازي هنا يقصد به الانتهاء من أصعب الأمور التي تنتظرك باكرًا، في بداية اليوم، في بداية المشروع أو عند أي نقطة انطلاق تعبر بها.

قرأت في نشرة جيمس كلير البريدية الأسبوع الماضي عبارة ذكرتني بالمثل أعلاه، وذكرتني بالضفادع الكثيرة التي ابتلعتها بقصد ودون قصد.

يتركنا جيمس في نهاية نشرته البريدية مع السؤال: «ما هي المحادثة التي ستشعرك بالفخر بنفسك إذا أجريتها اليوم -حتى ولو لم تحقق لك النتيجة التي تريدها؟» وبعد السؤال يشجعنا ويقول: «اذهب لإجراء هذه المحادثة الآن!» شعرت أنّ هذا التساؤل سيصحبني الفترة القادمة ويذكرني بالمرات الكثيرة التي امتنعت عن خوض المحادثات أو طرح الأسئلة. هذا الخوف الغريب من التجربة والمحاولة قد يمنعنا من خير كثير ينتظرنا. سأترك سؤال جيمس كلير هنا أمامكم لتفكروا فيه جيدًا. ماذا سيحدث لو اختصرت الوقت وطلبت الترقية التي تنتظرها؟ أو نقلك إلى مكان عملٍ آخر؟ أو تحقيق صلح منتظر مع شخص تختلف معه؟ ماذا سيحدث إذا سألت شخصًا يعجبك بصراحة إذا كان مهتمًا بك؟ مرتبط بآخر؟ أو لا يبحث عما تبحث عنه؟ هذه المحادثات التي -نستحي منها- ستنقذنا يومًا، وتختصر الألم والسيناريوهات التي نضعها في رؤوسنا ونقحم الآخرين فيها بلا علمٍ منهم أو انتباه.

*صديقتي/كنزي

.

.

.

بين الشجاعة والغباء

“Courage is knowing it might hurt, and doing it anyway. Stupidity is the same. And that’s why life is hard.”

— Jeremy Goldberg

قرأت الاقتباس هذا وقررت أن احفظه في تطبيق الملاحظات. تصلح سيرة ذاتية «بين الشجاعة والغباء». شاركت الفكرة مع أكثر من شخص حولي وفي كلّ مرة كنت استحضر -رغما عنّي طبعًا- مواقف مختلفة من حياتي. هذا الحدّ الفاصل الذي أكاد لا أراه بين منطقتين، فهو من جهة الشجاعة التي تدفعني للإقدام على أمرٍ أعرف أنه سيؤلمني لكن النتيجة في الطرف الآخر ستبهجني بالتأكيد. ومن جهة أخرى الغباء الذي يدفعني بنفس الحماس لأفعلها مرة أخرى واستيقظ على نتيجة مؤسفة!

وبين هاتين الفكرتين تستيقظ حربي الدائمة على التردد (سأكتب عنه قريبًا) وسيناريوهات بديلة مزعجة. أحبّ هذه الأوسمة والكدمات التي جمعتها بين الضفتين، بين الشجاعة والغباء. ولا أندم لحظة واحدة، بل أتعلم.

.

.

.

Painting: Memories – George Henry Boughton (1833–1905)

.

.

هل ترى ما أرى؟

قرأت يوم أمس تدوينة لسيث غودن يتحدث فيها عن موضوع يشغلني حاليًا. صدفة مروري بمدونته في تلك الساعة وقراءة المنشور تركتني في تأمل طويل. أغبطه على قدرته والتزامه بالتدوين اليومي منذ سنوات! وهذا موضوع آخر قد أكتب عنه وأناقشه طويلًا. فكرة سيث التي تكلّم عندها في التدوينة تركّز على التغيير الشخصي، وحقيقة أن التغيير هو الثابت الوحيد في حياتنا. أنا اليوم لستُ أنا قبل أسبوعين (لديّ اثباتات كثيرة حول هذا الأمر) ولستُ أنا قبل عشرة أعوام. ومهما زادت محاولاتي وبحثي للعودة هناك، لن أتمكن من ذلك. يستخدم نهر المسيسيبي كمثال على فكرته. الماء في النهر لم يكن هنا منذ عشرة أعوام. حتى حدود النهر تغيّرت، وضفافه. الأسماك والكائنات التي تعيش بداخله انتقلت وفنت.

ما هو إذًا “نهر المسيسيبي”؟ هو مجرد تسمية، أو علامة، أو وعاء. وعندما يفعل النهر شيئًا غير متوقع نعلق على ذلك. الناس يشبهون النهر، ماذا لو كنت معروفًا بأفضل -أو أسوأ- ما فيك وحسب؟ أنت لست نفس الشخص الآن، اليوم، وفي هذه اللحظة. وهناك احتمال كبير ألا تكون كذلك غدًا. ولكن هذا هو التصنيف الذي اختير لك. يرى سيث أننا عندما نتحدث عن شخص، أو جهة أو حتى عن أنفسنا نفعل ذلك وكأنّ كل من هؤلاء له صفة الثبات. حقائق غير متغيرة. لكننا في الحقيقة مثل الأنهار. والتصنيفات تفقد أهميتها في وقتٍ ما، لذلك يتعين علينا تغييرها. وعندما نتمسك برأينا ونرفض الاعتراف بحقيقة التغيير نصبح كمن يحكم قبضتيه على شيء يمنعه من الانشغال بسواه. الانشغال بما هو أفضل.

.

.

٤ أغسطس – محاولة من جديد

هذه التدوينة فتات الخبز الذي سأتركه على الممر المؤدي لغابة عصافير الكلام!

لم أصدق سرعة ركض الأيام حتى شاهدت التقويم على مكتبي. بالأمس كنت استعد لكتابة تدوينة طويلة عن رحلتي الصيفية مع أخواتي (كان الأمس يونيو) ومرّت الأيام وفقدت الاهتمام بالحديث تمامًا. فقدت الاهتمام بالكثير من الأشياء لكنني مستسلمة وسعيدة. يداهمني الانزعاج في منتصف اليوم أحيانًا وأحاول الوصول لسببه وأفشل. أمرّ بأحداث صغيرة وكبيرة تذكّرني بقيمي التي التزمت بها والوعود التي قطعتها لنفسي، لكن صوتًا صغيرًا بداخلي يقول: هل بعض المرونة والتغيير مفيد هنا؟ تمرّ بي أحداث كبيرة وصغيرة واتساءل السؤال البعيد عن القنوط: لماذا يحدث معي هذا؟ مرة ومرتين وثلاث. ليس لدي ما أقوله هنا حقيقة. وإذا وصلت لهذه الصفحة بسبب تنبيه التدوينة الجديدة وكانت كلماتي مخيبة -اعتذر.

أكتب هنا لأنها مساحتي، ولأنني أفكر بتجربة شيء جديد. الصيف يشعرني بوحشة غريبة ووحدة أحيانًا. انغمس في العمل والمهام والمشاريع المؤجلة ثمّ يهدأ الصوت في رأسي وأتذكر ما تجاهلته. أرجوحة قلق لا تذهب إلى مكان.

في نشرة بريدية استقبلها كلّ أسبوع كتبت مدونة أمريكية تفاصيل استقبالها لشهر جديد كالتالي:

اشتريت شيئًا جديدًا.

اقرأ هذا الكتاب.

وأتطلع لهذا الأمر خلال أغسطس.

شيء أودّ الإشارة إليه: كتاب القصص القصيرة «كاتدرائية» لريموند كارفر. قصص قصيرة ممتعة ومختلفة أعادت لي شهية كتابة القصص – لا أظن أنني سأتبع هذه الشهية لأسباب كثيرة. آخر مرة كتبت فيها قصة قصيرة قبل ١٤ عامًا وكانت قصة غريبة جدًا أرشفتها ولا أود العودة إليها. كانت شخصيتها الرئيسية رجل يفقد أصدقائه كالعرق من مسام جسده! ما هذه الغرابة؟ ربما كان كابوس أو تعبير حقيقي عن مشاعري التي تزورني كلّ صيف. أذكر مرة اسميت شهر أغسطس بشهر الغربلة. أغربل فيه كلّ شيء. لا أعلم ما سيحدث هذه المرّة. أشعر بالانزعاج والفوضى والضجر. ولا أرغب في الحديث عن تفاصيل هذه المشاعر. أريد أن تأخذ دورتها الكاملة، أن اتخفف من هذه الأحاسيس بالانتظار والكتابة والبكاء.

هذه التدوينة تجربة. وفي وقت انقطاعي عن التواصل على منصات أخرى فالطريق الوحيد لهذه الصفحة سيكون عبر الإعلان البريدي للمدونة، أو فضولكم.

وفي حال وصلتم للنهاية شكرًا.

حدثوني عن يومكم، أو أيامكم عمومًا، كيف تبدو؟ هل ستتركون فتات الخبز هنا لأتبعكم بالحديث؟

.

.

.

رسائل من وادي الفوضى

اتحسس جرح صغير غائر على إصبعي وأفكر كيف يمكن صياغة افتتاحية مناسبة لهذه التدوينة العشوائية؟ ربما سأحكي أولًا قصة هذا الجرح الذي حدث بسبب انعدام صبري! قبل أسبوع أو يزيد من اليوم وجدت نفسي حبيسة غرفتي مع قطة متوترة بلا طعام أو مكان لقضاء حاجتها. كان يومًا طويلًا ومجهدًا عدت فيه من ورشة تدريبية بدأت صباحًا وتبعتها عدة ساعات عمل في المكتب. لم تعتد قطتي النوم في الغرفة. كل ليلة تقضي بعض الوقت معي ثمّ أخرجها لتتجول في المنزل وتجد زاوية هادئة لتغفو. كانت ظريفة جدًا تلك الليلة!

نظرت لعينيها اللامعتين وقلت هيا معي نختتم اليوم باللعب ثم اتركك تذهبين. أدخلتها وأغلقت الباب بالمفتاح وبعد بضعة دقائق شعرت بالملل وطالبتني بالخروج. حاولت فتح الباب عدة مرات لكن المفتاح امتنع عن الحركة. قررت حينها استخدام منشفة ثقيلة للامساك به وتحريكه بقوة وكسرته! وقفت مذهولة للحظة والمفتاح في يدي ولولو تموء وتدور حول قدمي في محاولة لشرح فتح الباب ببساطة: ما بك يا هيفا؟ هيا ضعي المفتاح هنا وحركي مقبض الباب لنخرج.

قبل أقل من ربع ساعة كان المنزل نابضًا بالحياة، والديّ مستيقظين يشاهدون مباراة أو برنامج رياضي عرفت ذلك من الصوت. وأختي كانت رفيقتي منذ قليل ولا أصدق أن النعاس تمكن منها بهذه السرعة. تواصلت مع كل الهواتف وطلبت النجدة من أخي الذي يعيش في مسكنه المنفصل. وانطلق لنجدتي!

 مختصر القصة يا أصدقاء لأنني رويتها عشرات المرات منذ ذلك اليوم، عشنا ليلة طويلة من محاولات كسر القفل وإصابة في إصبعي بعد استخدام كل أداة حادة في غرفتي وانتظرنا الصباح لاستدعاء فنّي أقفال أو في سيناريو أسوأ: الدفاع المدني. فتح أخي الباب وقررت الذهاب لليوم الأخير من برنامج التدريب والعمل كأي يومٍ آخر لكن برأس لم يغف أكثر من ساعتين. وقطتي لولو المسكينة ركضت كما لم تركض من قبل باتجاه صندوقها وطعامها وشربت الكثير من الماء. أظن أنها ستعيد النظر في قضاء الليل بصحبتي وقد تركض في اتجاه معاكس كلّ مرة نلتقي في الممر.

القصة كلّها كانت بمثابة درس برسائل متعددة. قالت أختي: تأملي كل المجازات الممكنة لما تمرين به. في لحظة واحدة وجدت نفسي حبيسة المكان مع أفكاري ومشاعري والمرحلة الغائمة التي أمرّ بها منذ إبريل الماضي.

والآن سأحكي لكم عن قصة عنوان التدوينة المناسب جدًا لهذه الأيام!

ركز البرنامج التدريبي الذي حضرته على «التغيير» كيف يبدأ في المنظمات؟ وكيف نتعامل معه؟ وكيف تتمكن من الصبر على كلّ تفاصيله؟ كل هذه الأسئلة حضرت مع إجاباتها المسهبة، وقضيت مع زملائي تجربة ممتعة في تطبيق سيناريوهات تخيلية لبعض التحديات التي نواجهها في عملنا اليومي.

علق في ذهني نموذج «كيوبلر – روس» للتغيير. استخدمته المدربة وزميلتها في وصف حالة الموظفين في بداية وخلال ونهاية التغيير. في بدء المنحنى يسيطر الإنكار على الجميع، من ثم يهبطون باتجاه القاع وتبدأ المقاومة والشكوك، وفي القاع يستقرون في «وادي الفوضى» هنا يبدأ الألم والكرب، قد يطول مكوثنا في هذا المكان حتى نقنع بالتغيير ونتبناه بالصبر والمعرفة، ونصعد باتجاه الاكتشاف وتعزيز الإيمان باتجاه القمة حيث نملك الخبرة الكافية والالتزام بهذا التغيير.

في رحلتي الشخصية مع التغيير أقف في المنتصف، في وادي الفوضى! واللحظة الأولى التي ظهر النموذج على الشاشة أمامي ابتسمت لا إراديًا للمدربة. نعم أعرف هذا المكان جيدًا. من بين كل الرسائل التي تصلني كلما استشرت من أثق به: الصبر الصبر الصبر. تتردد الكلمة على سمعي كأنها تهويدة. هذا الصبر الذي سيخفف عني شعور الضياع العميق ويسهّل خطو أقدامي صعودًا.

بدأت التفكير في هذه التدوينة قبل أسبوعين تقريبًا، كنت أبحث عن نافذة أزفر منها ثقل مايو الطويل جدًا وأحداثه الغريبة وصعوباته. الأسبوع امتدّ وزادت الحكايات في رأسي والتفاصيل والتأملات.

ما زلت أفكر في الغرفة المغلقة وحديث عابر مع صديقتي مساء الأربعاء البعيد: اليوم سأعود للمنزل، أبكي قليلا، وأكتب تدوينة جديدة! وجدت سببًا للبكاء، وقصة جديدة لترويها.

يونيو يبشر بالخير من بدايته، العيد ورحلة صيفية وكتب جديدة أتطلع لالتهامها.

إذا كان هناك قائمة للحظات مبهجة خلال الفترة الماضية ستكون كالتالي:

  • إتمام رواية يابانية ممتعة للكاتب كيئتشيرو هيرانو بعنوان «أحد الرجال» والبدء برواية للكاتبة الإيطالية نتاليا غينزبرغ بعنوان «معجم عائلي»
  • سولو الكمان في مطلع ليلة حب لأم كلثوم.
  • أطراف شعري المقصوصة حديثا.
  • إنطفاء اللون الأحمر في خصلاتي الفاتحة والشيب المغمور بالبندق.
  • فستان للعيد بلون السماء.

Photo by Rachel Rector

.

.