التخطيط فعل عاطفي

أظن أن التخطيط (و-أو) كتابة اليوميات أكثر موضوع أكتب عنه في هذه المدونة وأعود إليه كل عدة سنوات بتدوينة مطوّلة ومفصلة تأخذه من زاوية لأخرى. هل أشعر بالملل أو أني سأتوقف عن ذلك؟ لا طبعًا سأعود إليه من جديد كلما شعرت بالاشتياق له أو الرغبة في الحديث عن وجه جديد من القصة.

أعرف بأني سأستطرد عدة مرات في هذه التدوينة ولذلك سأحدد هيكلًا لما أريد الحديث عنه، وربما بشكل موجز سأقول شيئًا مهما: غالبًا يُنظر إلى التخطيط باعتباره أداة للإنتاجية. لكن قبل تطبيقات التخطيط والمفكرات المسطرة والجداول بزمن طويل كان الناس ينظمون وقتهم والتزاماتهم وصلواتهم وحساباتهم وشؤون حياتهم المنزلية بطريقةٍ ما. الهدف النهائي هو الكفاءة لكن أيضًا عملية عاطفية تثبت تمسكّنا بقصصنا ورغبتنا بتخليدها.

لقد ركضت خلف الأرنب في بحثي وقراءتي عن الموضوع، أين بدأ التحوّل في تدوين اليوميات والتخطيط؟ ووجدت أن العصر الفيكتوري شهد تحولا في الموضوع: أصبح الناس يستخدمون المذكرات وتدوينها كوسيلة للتخطيط للمستقبل ولم تعد تقتصر على تأمل الماضي. أصبحت أداة تنظيمية بالإضافة لكونها سجلا للتجارب. واجتاحت العالم موجة من التطلعات للتقدم والصناعة والتجارة. وجاء مع هذا التحول سلع جديدة مثل المذكرات المؤرخة ومذكرات الجيب والأقلام.

والمفاجأة كانت أن العلامة التجارية Letts  التي تحملها المذكرات السنوية التي كان والدي يقدمها لي مع العام الجديد خلال التسعينات والمدموغة أيضًا باسم شركته حينها؛ أسّسها جون ليتس صاحب متجر أدوات مكتبية وقرطاسية في ١٨١٢م. حققت المذكرات نجاحًا باهرًا، وبحلول العام ١٨٦٢م قدّم المتجر ٥٥ نسخة مختلفة موجهة لفئات اجتماعية محددة بأسعار متفاوتة تناسب الجميع. وفي ١٩٠٠م كان جون ليتس يبيع ما يقارب ربع مليون مذكرة سنويًا!

هذا الصعود في كتابة اليوميات والتخطيط ساهم في تغذية المصادر التي يعود إليها الباحثين اليوم لدراسة تلك الحقبة. كانت اليوميات تدوّن قبل القرن التاسع عشر من قبل أشخاص يدركون أهميتهم وتجاربهم مثل الارستقراطيين وأفراد البلاط والكتّاب. لم تكن اختراع فيكتوري وهذا معلوم لنا اليوم، لكن تحوّلها كما أسلفت من تدوين الماضي للتخطيط للمستقبل هو المختلف. ومع بدء إنتاج المذكرات المؤرخة المطبوعة بكميات كبيرة وبيعها لطبقة الموظفين الإداريين المتنامية بسرعة في المدن والضواحي البريطانية ظهرت معها يوميات سطحية وعملية يدوّن فيها أصحابها ملابسهم التي ارتدوها والطعام الذي تناولوه والثرثرة والمشاحنات. كانت مذكرات القرن التاسع عشر «أداة مراقبة» كما وصفتها الباحثة الأدبية آن-ماري ميليم وكان هدفها الأسمى ضبط النفس. فمن خلال تسجيل نجاحاتهم وإخفاقاتهم بدقة كان بإمكان كتّاب المذكرات مقارنة إنجازاتهم في الماضي والحاضر والمستقبل.

لكن قبل أن استطرد كثيرًا في التتبع التاريخي هذا سأتوقف وأترك لكم حرية البحث عن الموضوع. كان هذا فضولًا لديّ للبحث عن الأمر وتوصلت للإجابة المهمة التي تفسّر تأرجحي في استخدام تدوين اليوميات وتنوع مذكراتي –كما كتبت في تدوينة سابقة- فأنا في لحظات أدون مشاعري ومرئياتي وتأملي للماضي، وتارة أخرى أبني الخطط والتوقعات دون إسراف وهلع. والقاسم المشترك بين ما أفعله أنا وفعله الملايين من البشر قبلي هو الحاجة إلى وضع الحياة داخل بنية مرئية. وهذا هو التخطيط بشكله العاطفي حيث ينتقل فيه الإنسان من التاريخ المدوّن إلى الفكرة الشخصية والتأملية.

لقد وجدتُ في استمرارية الكتابة والتخطيط طريقة مثالية لتقليل عدم اليقين والتشتت. وقرأت ذات مرّة أن التخطيط للمستقبل يعطيك شعور منعش بانتظار قدومه وهذا طبعًا يختلف من شخصٍ لآخر فالبعض يشعر بالتوتر عند التفكير في القادم ويفضّل التعامل مع الأيام بشكل كيانات مستقلة – لا أستطيع العيش بهذه الطريقة لأن التخطيط والتدوين صمام أمان لشخصٍ قلق مثلي. التخطيط بالنسبة لي تفاؤل وطمأنينة ومكان يستريح فيه عقلي بعد التخفف من الأفكار. والآن تذكرت تقليد بدأت بتطبيقه بكتابة قوائم «القلق»-للأسف لم أجد لها اسم آخر- بداية كلّ أسبوع. انتهي من القائمة ثم أبحث عن حلول وأوزعها على الأيام حتى انتهي منها. هذا تخطيط بطريق واحد ومباشر لا يرتبط بساعة أو يوم بشكل متزمت. أفكّر في الأولويات وكيف أنقذ نفسي من صعوبتها بتوزيعها لأدخر طاقتي للأمور المعقدة وأدفع بالأخف لنهاية الأسبوع بعد نيل قسط من الراحة.

أظنّ أن أكثر ما يُساء فهمه في التخطيط هو ربطه الدائم بالصرامة وكأن الذي يخطط يريد أن يحوّل حياته إلى جدول جامد ولكل ساعة مهمة ولكل يومٍ نتيجة. لقد وقعت في هذا الفخّ بالتأكيد، ولكن بعد أن اعتدت استخدام التخطيط للتهدئة والاقتراب من العفوية قدر الإمكان. حين أكتب ما ينتظرني على الورق لا أشعر أني قيدت يومي بل أخرجت ما في رأسي ومنحته مكانًا أنظر إليه من زاوية جديدة! أذكّر نفسي أيضًا في هذا السياق بأن التخطيط ليس وعد بحدوث كلّ ما كُتِب ربما بوصلة أو تذكير أو مرساة إذا أصبحت الأيام أكثر سيولة وفوضى.

التخطيط والتدوين لا ينبغي أن يكون صعبًا أو مربوطًا بمذكرة جميلة وأقلام ملونة وصفحات مرتبة ولواصق لكلّ نشاط في يومك. لنفكّر به كأداة للثقة بالنفس فالخطة التي نكتبها تفترض ضمنيًا وجودنا غدًا بإذن الله وأن لدينا القدرة على العبور وأن نسخة مستقبلية منا ستفتح الصفحة وتشعر بشعلة حماس تضيء لننطلق. هذا الإحساس وهذه العاطفة هي ما يدفعني للنظر للتخطيط من زاوية مختلفة. هذا فعل اهتمام بالنفس ورعاية ذاتية- خططت لك يا هيفا ولم أتركك وحيدة.

وربّما أنا أحبّ طقوس التخطيط الصغيرة المرتبطة به أكثر من الخطة نفسها. الجلوس في ساعة من نهاية الأسبوع لتخطيط نهارات العمل، وساعة القهوة يوم الأربعاء مع كتابي ومذكرة أخرى لقوائم القلق وخطط نهاية الأسبوع. انقل من صفحات سابقة مهام متأخرة لأسبوع جديد دون شعور بالذنب وشطب مشروع يبدو أنّه لن يحدث في يومٍ قريب.

تدوين اليوميات سواء بالنظر للماضي أو بالتطلع للمستقبل مثل ترتيب غرفتك الداخلية لأن البعثرة تعني أن كلّ شيء عاجل وضخم ومهم ويطلبك بنفس القدر وبنفس نسبة التركيز والاهتمام.

في النهاية أظن أن عودتي المتكررة لهذا الموضوع تذكرني بحبّي واهتمامي ورؤيته في صور ملموسة بأشكال مختلفة. مرة كان التخطيط محاولة للإنجاز ومرة للنجاة ومرة للترتيب ومرة للطمأنينة. وأنتم ستبحثون في أنفسكم الآن وتفكرون ما الذي يمكن للتخطيط تقديمه الآن؟ في هذه اللحظة؟ في هذا المكان من حياتكم؟

أنا أكتب لأرى.

وأرى لأهدأ.

وأهدأ لأعيش الأيام بلا ركضٍ خلفها.

.

.

.

Painting by Albrecht Anker

.

.

 

العودة إلى مائدة تعرفني

حين بدأت التخطيط لهذه التدوينة، وجدت نفسي أنطلق مباشرة إلى التفكير في وصفاتي المفضلة: ما الأطباق التي أحبها فعلًا؟ ما الذي أعود إليه كل أسبوع؟ وكيف أحضّره؟ لكنني أدركت سريعًا أن الفكرة الأصلية لم تكن في الحديث عن وصفات ناجحة أو أطباق لذيذة، لكن الغرض الأساسي من كتابة التدوينة: الحديث عن القائمة المألوفة من الوجبات التي أعود إليها باستمرار، والتي تجعل أيامي أفضل، مهما كانت مثقلة أو مرهقة. هناك فرق بين الطعام بوصفه حاجة يومية وغذاء وقوت، والطعام بوصفه شكلًا من أشكال الرعاية وإضافة اللطف على الحياة.

وأنا في كثير من الأيام، أبحث عن هذا اللطف بالذات.

الإفطار بالنسبة لي لا يسبب الحيرة نفسها. أفكر فيه بسرعة وسهولة غالبًا قبل النوم أو بعد استيقاظي: هل أريد البيض مسلوق أو مقلي؟ هل أحبّ تناول فطيرة محلّاة أو منقوشة من مخبز في طريقي؟ الخيارات بسيطة والإعداد أو الشراء سهل ولذلك لا يبدو كعبء حقيقي. أما العشاء فهو قصة مختلفة. يأتي في نهاية يوم طويل في اللحظة التي تكون فيها طاقتي انخفضت إلى أدنى حدّ، ويصبح السؤال ماذا سأتعشى؟ أثقل بكثير من كونه سؤالًا عن الطعام فقط. إنه سؤال عن القدرة والمزاج ومقدار ما تبقى في داخلي من استعداد لاتخاذ قرار آخر!

لهذا أحب أن يكون لديّ عشاء معروف مسبقًا، أو على الأقل باحتمالات محددة وواضحة أستطيع العودة إليها دون تردد. وربما لهذا أحب التخطيط للطعام والوجبات أصلًا. لأن إعداد الطعام بالنسبة لي، أحد أشكال إظهار الحب للنفس وللآخرين. والأيام التي أتناول فيها الطعام بشكل عشوائي بلا تفكير أو عناية تزعجني. هذه العشوائية تذكرني بالفوضى التي أحاول أن أتفاداها في حياتي اليومية.

لديّ ثلاث وجبات أحب العودة إليها أكثر من غيرها: السالمون المشوي بالعسل، وأورزو الخضار المشوية، وتاكو الدجاج المقلي. أثق في هذه الأطباق لأنها لذيذة، منعشة ومتنوعة وأعرف أنها قابلة للتكرار والتنويع ومع ضبط الوصفة واتقانها يمكنني الاعتماد على نجاحها كلّ مرة.

أحب في السالمون المشوي بالعسل ذلك التوازن بين الحلاوة الخفيفة والطعم الغني والارتباط بالأطعمة الآسيوية التي أحبّ عندما أضيف له حرارة إضافية ومكونات من المطبخ التايلندي أو الياباني. أما أورزو الخضار المشوية ففيه شيء مريح على نحو خاص؛ طبق دافئ ملوّن فيه البطاطا الحلوة والفطر والبلسميك ويمكن أن يؤكل وحدة أو يرافقه السلمون أو الدجاج بسهولة. وتاكو الدجاج المقلي له بهجته الخاصة لأنه يذكرني بالبرغر الجاهز الذي نتناوله أيام الذهاب لشاطئ البحر أو في اليوم المفتوح بالمدرسة، وكأنه مكافأة صغيرة في نهاية يوم طويل وكل وجبة تعطيني شعور بالخفة والإشباع الحسّي والمعنوي.

أحبّ في اختباراتي أنها لا تحدني بشكل واحد، فإذا توفر الأساس منها يمكنني إعداد نسخ مختلفة أكثر. السالمون يؤكل كما هو أو مع البطاطا المشوية أو الأرز الأبيض أو في ساندويتش تاكو. والأورزو طبق جانبي أو أساسي على حسب شهيتي وجوعي. كل هذه المكونات تحضّر في الفرن أو تُشوى أو أحضرها في القلاية الكهربائية. وكلها في الغالب لا تستغرق أكثر من ٤٥ دقيقة للطهي.

قد يبدو غريبًا أحيانًا أن أحتفظ بهذه القائمة المختصرة من الوجبات، مع أنني أعرف كيف أطبخ وصفات كثيرة، وأستطيع نظريًا أن أختار من قائمة أوسع بكثير. لديّ ثلاث عناصر مهمة هنا: السهولة والثقة والألفة.

العدد المحدود من الخيارات يخفف إرهاق اتخاذ القرار. بدل أن أقف كل مساء أمام احتمالات لا تنتهي، أعود إلى خيارات أعرفها جيدًا وأعرف ما الذي تمنحني إياه. وهذا بحد ذاته يوفّر عليّ جهدًا ذهنيًا لا أريد أن أبذله في نهاية اليوم. كما أن وجود هذه الوجبات في ذهني يمنحني شيئًا صغيرًا ومحببًا أتشوق إليه أثناء العودة إلى المنزل لأنني أعرف أن هناك وجبة أحبها تنتظرني، أو على الأقل يمكن أن أنتظرها. الوجبات المألوفة أيضًا تترك لي مساحة للاستمتاع بالطهي بدلًا من أن أتعامل معه كواجب يومي ثقيل. كما أنها تمنحني شيئًا أحبه كثيرًا: ثبات الجودة. أعرف تقريبًا كيف سيكون الطعم، وأعرف أن النتيجة سترضيني، وهذا وحده راحة.

ومع هذا الثبات والتكرار هناك أمر مهمّ: أنا لا أجهز العشاء كل ليلة، وهناك أمسيات يكون فيها خيار العائلة الممتدة هو الأفضل والألطف، فأتناول مما أعدّوه يومها من دون تردد. وهذا جزء من ارتياحي مع الفكرة أصلًا: أن تكون لديّ قائمة أعود إليها، لا نظام أعاقب نفسي إن خرجت عنه فقد أخذت كفايتي من الأنظمة الغذائية الصارمة وتحديد الوجبات!

ومن الناحية العملية، أحب أن هذه الوجبات سهلة التذكر؛ فلا أحتاج في كل مرة إلى البحث عن وصفة أو مراجعة خطواتها. وهي سهلة للتسوق أيضًا، لأن معظم مكوناتها متوفر في المنزل عادة أو يسهل طلبها من تطبيقات توصيل البقالة. وحده السالمون أحب أن أختاره وأشتريه بنفسي. وربما لأنني أحب هذه الوجبات تبدو لي دائمًا جديرة بهذا الجهد البسيط.

وأحب أنها ليست وجبات أفضّلها وحدي. أنا وأختي نشترك في حبها وهذا يمنحها معنى إضافيًا بالنسبة لي: هذه أطباق تضمن الرفقة أيضًا. وفي كثير من المرات، هذه الرفقة جزء من الوجبة نفسها، وجزء من الراحة التي أبحث عنها فيها.

أسهبت في الحديث واستطردت لكن الفكرة واضحة الآن. لا أبحث عن تنوع شديد وإبهار وكفاءة. وأظن أن موضوع الأكل امتد لجوانب أخرى من حياتي فأصبحت أعود لقائمة محددة من الأماكن للزيارة، أو السفر أو التسوق. الحياة تحتاج لخيارات محدودة آمنة تمنحنا اليقين.

وأنتم هل لديكم قوائم مشابهة تشاركونها معي ومع القرّاء؟

،

،

،

Painting by Jacob Foppens van Es (Flemish, c. 1596 – 1666)

.

.

 

أربعة أسئلة ليوم طويل

انتهيت من كتابة تدوينة الأسبوع الماضي وشعرت بحماس مختلف للعودة للتدوين. شيء قال لي جهزي جدول تدوينات لشهور مستقبلية وتذكرت جيمس كلير في إحدى نشراته البريدية السابقة وقد تحدّث عن هذه اللحظات التي نشعر فيها بحماس لفعل كل ما هو مؤجل. فكرته تنصح باستغلال هذه اللحظات لتسهيل الأمور عندما يقلّ حماسنا. إذا شعرت برغبة في الكتابة مثلا، اكتب وجهّز مسودة وصمم نظام تدوين كامل إذا أردت!

وإذا أردت ممارسة الرياضة جهز الملابس والأدوات قبل وقت ليسهل عليك أداء التمرين التالي وهكذا. لم تكن هذه الخطة الأولية لكن بما أن اللحظة حانت قلتُ سأدون كل خميس ما يمر بذهني وما أشعر بالرغبة في مشاركته. في أسبوع ما سيكون تذكر أحداث أيامي ومفضلاتها، وفي خميسٍ لاحق موضوع ابحرت فيه واكتشفت المزيد من أسراره. وهكذا تدريجيًا أتبع فضولي أين يأخذني واكتب متى ما كان الحماس موجود.

هذا الأسبوع اختبرني بصدق. كنت أحاول الالمام بكل تفاصيل العمل في إدارتي الجديدة والتعرف على الفريق الذي أصبحت مديرته خلال ساعات! لدي خطة للعمل لكن ينبغي وزنها وتمريرها على أعضاء الفريق وإسناد المهامّ لمن تناسبه المهمة حقًا. وفي الصورة الأشمل تغيرات كبيرة على طبقات ومستويات. في لحظة تأمل لما يحدث حولي حاولت وصف مشاعري وتعاطيّ مع كل شيء: تخيلت قطعة سجاد هائلة مُدت على أرض الصالة في أمسية عائلية ضخمة. الأطفال يلعبون بمكعبات الليغو في طرفها، والطرف الآخر الأمهات يتناولن المكسرات ويتركون قشورها حول المكان، وهناك أيضا فناجين شاي زجاجية وأباريق، وأنا في زاوية أركب أحجية من ألف قطعة. أحدهم سحب السجادة وضربها عاليًا وتناثر كل شيء حولي وسقط أرضًا. نعم هذا بالضبط ما أشعر به الآن!

وبالحديث عن الشعور وبما أن التدوينات السريعة هذه عشوائية جدًا تذكرت أداة استكشاف دونت عنها في مذكرتي لاستخدمها في حياتي اليومية. الأداة اسمها HALT ولم أجد اختصارًا عربيًا لها لكن الفكرة ليست عميقة أو معقدة. الحروف تختصر أربع كلمات انجليزية: hungry, angry, lonely, tired. جائعة أو غاضبة أو وحيدة أو متعبة. حسنًا ماذا نفعل بهذه الكلمات؟ عندما أشعر بانعدام الصبر وأي شيء يمكنه استفزازي أفكر في هذه الكلمات الأربع قبل أن أرد أو أقرر واسأل نفسي أربعة أسئلة:

  • هل أنا جائعة؟
  • هل أنا غاضبة؟
  • هل أنا وحيدة؟
  • هل أنا متعبة؟

الجميل في هذا الاختصار أنه يعيد ترتيب المشهد بسرعة لأن المشكلة لا تكون في الموقف بحدّ ذاته بل في احتياج صغير مهمل. وجبة مشبعة أو مشروب بارد منعش أو محادثة من قريب أو قيلولة استعيد بها توازني. عندما ألبي هذا الاحتياج الأساسي يصبح كلّ شيء قابل للحلّ وردة فعلي تجاه الصعوبات تصبح أهدأ وأصدق.

من أين جاءت هذه الأداة؟ شاع استخدامها في مجتمعات التعافي من إدمان الكحول وبرنامج الخطوات الـ١٢. كانت بمثابة الإنذار المبكر الذي يساعد على الانتباه لحالات تُضعِف القدرة على ضبط النفس قبل أن تتفاقم. ثم انتقل استخدامها إلى مساحات أوسع في الإرشاد والعلاج النفسي لأنها سهلة التذكر وعملية وتصلح للحياة اليومية بلا تعقيد.

وأنا بِصراحة أحبّ الأدوات التي تعطي نتائج واضحة بلا فلسفة زائدة.

في مفضلات هذا الأسبوع:

 

.

.

حصّة فراغ

أجلس اليوم لكتابة هذه التدوينة بلا هيكل واضح أو فكرة رئيسية وهو شيء لم أفعله منذ وقتٍ بعيد. أحبّ التنظيم والكتابة المنظمة لكن أحبّ أيضًا التبدد بالكتابة والاستسلام للاستطراد. أريد أن أوجز شيئًا غير قابل للإيجاز: الثلاثة أشهر الماضية! بدأت التفكير في الكتابة هنا بعد انتهائي من ترتيب مكتبي الجديد والتفتت باتجاه النافذة لأرى السماء الغائمة والغبار الثائر من زاوية أخرى. لا أدري هل كان الغبار ناتجًا من عمليات البناء وتحريك الأرض أو أنّ الأجواء فعلا مغبرة. شعور التأسيس والبداية الجديدة ملهم ومنعش. كانت هذه اللحظة مناسبة للتأمل: الآن يمكنني الجلوس قليلًا قبل البدء في فصلٍ جديد.

منذ بداية السنة أدوّن يومياتي بشكل يومي بلا توقف، وفي أيام السفر دوّنتها على شكل فيديوهات قصيرة. أو احتفظت بالتفاصيل مصورة لأعود وأكتبها في المذكرة بعد عودتي. حافظت على روتين تدوين يومي مريح باعتماد فكرة non-negotiable minimums   أو تفاصيل يومية وعناصر لا استغني عنها أو أؤجلها. اكتب لأن الكثير يحدث ولا شيء في نفس الوقت. واحتجت للتأمل والبحث عن نقاط ارتباط مع فترات ماضية من حياتي تشبه ما أمرّ به اليوم. ذاكرتي محشوة بالقصص لكن عندما يحتدم الأمر أجدني مضطرة للبحث فيما كتبته سواء رقميًا أو في دفاتري المخزنة. ليتني أجيد طريقة فهرسة بالكلمات المفتاحية في بداية كل مذكرة أو نهايتها لتساعدني في العودة للحديث. شيء يشبه المفاتيح المختصرة في لوحة مفاتيح جهازي أو محرك بحث الملاحظات في هاتفي المحمول. سيكون للكلمات ثيمة عامّة: فوضى، تحول، قنوط، حبسة، تردد، خوف، مغامرة، قفز. وما أكثر القصص التي ستندرج تحتها.

يرتب ذهني الشهور الماضية بالشكل التالي: فيينا، رمضان، روما. لكن هذه هي التفاصيل التي يحبّها وهي كسولة نوعًا ما، هل هكذا فعلًا بدت أيامي؟

في لحظة كنت استمع لسيمفونية قدّاس الموتى لموزارت في غرفة مظلمة في شقته بفيينا، واتأمل قناع الموت الذي صنعوه له بعد موته. اقترب من الزجاج وأشعر بقشعريرة غريبة! وفي لحظة أخرى أجلس في اجتماع في مكان عملي لتبلغني مديرتي بتغييرات ستحدث والآن علي البحث عن إدارة بديلة داخليًا. كان عليّ أن أعيد اختراع نفسي، أن احرق كلّ شيء وابدأ من جديد.

في مذكرتي التي اسميتها The Brain  أدون كل شيء يعجبني بشكل يومي أو أسبوعي وقد تحدثت عنها سابقًا. في صفحة ما في فبراير كتبت عن دراسة أجراها ديفيد غونزاليس وفريقه بين ٢٠١٦-٢٠٢٢ استكشفت بشكل أساسي أهمية التجديد لذاكرتنا وخلايانا العصبية والأهم من ذلك شخصياتنا. وجدت الدراسة التي أجريت على آلاف الأشخاص أن أولئك الذين خاضوا تجارب جديدة ووضعوا أنفسهم في بيئات جديدة، وجربوا أشياء جديدة كالطعام والموسيقى والأفلام كانوا أكثر سعادة وشعروا بتناغم أكثر مع ذواتهم.

ودراسة أخرى أجرتها أورسولا ستودنجر وآخرون في ٢٠١٧ على عمال إنتاج كلفوا بمهام جديدة مرة واحدة في كل نوبة عمل. لاحظت الدراسة أن لديهم مساحة أكبر من المادة الرمادية في أدمغتهم بعد ذلك مقارنة بمن لم يكلفوا بأعمالٍ جديدة ومختلفة أو حل مشكلات غير مألوفة. المادة الرمادية في الدماغ ضرورية للمهام اليومية والعاطفة والذاكرة.

وباختصار، من خلال الخروج والاستكشاف والنظر إلى ما هو أبعد من ذواتنا وحياتنا اليومية نتمكن بطريقة ما من معرفة أنفسنا بشكل أفضل. لماذا؟ لأن عقلك خُلق للبحث عن كلّ جديد. ليرى العالم ويواجه التحديات ويتذوق الطعام الحلو ويشعر بالدهشة عند رؤية شلال أو مقابلة ناس جدد. وعندما لا يحصل على ذلك يتحول إلى ما يشبه الحيوان الحبيس في قفص يذرعه جيئة وذهابًا. وهذا ما شعرت به بالتحديد لوقتٍ طويل من حياتي! وحتى عندما كنت استعذب التغيير وأفرح به واتحمس له أعود من جديد لمتاهتي وتصغر المساحة حولي وتثير قلقي. كل المؤشرات كانت تقول التغيير قادم إذًا لماذا لم ابتهج؟

لأني كنت ابحث عن الاستقرار بعد وقت طويل من التنقل، في حياتي المهنية والشخصية. وكان الأمر المضحك حقًا وأنا اقرأ عن التجديد وفائدته لتحسن دماغي وذاكرتي، كنت ممتعضة لأن التغيير في مكان عملي رافقه انتقال داخلي من غرفة لأخرى. لم يكن التغيير مبهجًا في اللحظة الأولى لكني حولته لشيء ممتع! ديكور جديد، ستائر، مفارش، تخفف وجرد للمكتبة والملابس وكلّ شيء. وفي الوقت المناسب للانتهاء من ذلك جاء رمضان وبدأت المحركات تهدأ. اخترت بدء إجازة رقمية اعتزلت فيها التطبيقات والمشاركة. لم يكن لدي ما أقوله أو أرويه لكن الكتابة اليومية استمرت، اقتباسات قصيرة وقراءات ومشاهدات في التاريخ والفنّ. وحفزني التخطيط لرحلة روما الربيعية للبحث أكثر في فنّ عصر النهضة الإيطالي وقررت التسجيل في مقرر دراسيّ مدته عشر أسابيع يبدأ نهاية هذا الشهر! التزام جديد ولد من لحظة تأمل ومن رغبتي في التجديد وإيجاد مساحة اتخفف فيها من مهامّ العمل. هذا المقرر لي، ليس لشهادة أقدمها لإدارة الموارد البشرية، أو لاجتياز اختبار ما.

لقد حذّرتكم طبعًا من الاستطراد والمواضيع المتشابكة لكن هذا ما يحدث عندما اتأخر عن الكلام كثيرًا!

خلال الأشهر الماضية قرأت عدة كتب دفعتني للتأمل وتزامنت مع التفكير في إعادة البناء وثيمة الانتظار والصبر والنظر للأمور من زاوية جديدة. لكن الذي بقي معي منها هو الاقتباسات اللطيفة التي دونتها في مذكرة القراءة. ففي كتابها «مداواة الخواء» شرحت ياسمين مجاهد فكرة كانت ترهقني: هل أنا مستعدة فعلًا لتحمل الأمور التي تحدث معي؟ هل أجمّل واقعي وانظر إليه من عدسة وردية أم أنّي فعلا مستعدة؟ قالت شيء جميل في كتابها في وصف احتمال الإنسان لما يحدث حوله:

يختلف البشر في مرونتهم، فحريق الغابة لا يصيب كلّ شجرةٍ فيها بالدرجة نفسها. شجرة السكويا الضخمة، على سبيل المثال، مقاومة للنار تقريبًا، والسؤال هنا هل يمكن لقلوبنا أن تكون مثل شجرة السكويا؟ وإذا طرحنا سؤالًا أعمق، فهل يمكننا نحن البشر أن نصل إلى درجة تفوق مجرد النجاة؟ عندما تتمحص في تعريف المرونة تكتشف أنه يشير إلى التكيف والنجاة في وجه التحديات، ولكن ماذا لو كان هنالك شيء أكثر أهمية؟ ماذا لو كان بمقدور البشر أن يحققوا أكثر من مجرد النجاة من عواصفهم؟ ماذا لو كان بإمكاننا الازدهار في عواصفنا؟ ماذا لو كان هناك شيء يفوق المرونة؟

الكتاب وإن لم يكن أتى بالجديد بالكامل لكنّ فصوله كانت تلمس مكانًا عميقا في نفسي وكل عدة صفحات أخرج بتنبيه يذكرني بأن الصعوبات المؤقتة ليست شرًا كاملًا. وهذا الانزعاج مؤقت. وهذا الصخب سيمضي!

ما الذي أنقذ مرونتي إذًا؟

أربعة أشياء صغيرة في نظر البعض لكنّها عظيمة لديّ: موعد قرائي مع نفسي كلّ يوم، سواء في مكان العمل أو في مقهى هادئ أحبّه أو قبل غفوتي في المساء. تدوين يومياتي وإن كانت سطرًا أو اثنين. أدون بلا هيكل محدد، اتحدث يومًا عن مشتريات استهلاكية وحماسي لحذائي الجديد وفي يوم آخر انكأ جرح قديم وأعيد علاجه بالكتابة. والأمر الثالث والأهم تمسكت بنومي العميق كما لو كنت احتضن طفلا صغيرًا أو طوق نجاة. والرابع: المشي! المشي في كل مكان وإلى أي مكان. متى ما كان الطريق متاحًا كنتُ أمشي. وكانت الأجواء جميلة خلال الأشهر الأولى من السنة وساعدتني جدًا. مشيت في أرضٍ جديدة، مشيت في طرق أعرفها، ومشيت من سيارتي في أقصى زاوية من المواقف الفارغة. كنت أقف بعيدة لأجبر نفسي على المشي. هذه اللحظات التي اقتنصها من يومي كانت تخصّني وحدي. لا صوت إلا صوتي.

تذكرت اقتباس قديم حفظته من رسائل كافكا: «عزيزتي، نامي جيدًا واذهبي للمشي.» وكم تبدو هذه الفكرة سهلة جدًا لكن تطبيقها صعب. فقد حصلت على حصتي من الأرق واختلال النوم وأظن أن ذلك ملازم للقلق الذي أعيشه من التغيير وصفة التغيير وتوقيت التغيير. وعندما هدأت نفسي أخيرًا انضبط كلّ شيء. أظن فيينا كانت السبب؟ كانت رحلة للبحث عن الثلج! نعم بالإضافة إلى حماسي وفضولي تجاه فيينا كنت في رحلة مخصصة لرؤية ثلوج فبراير. اشتريت ملابس ثقيلة وحذاء مناسب وما إن وصلت للمدينة حتى ظهرت الشمس البهية وارتفعت درجات الحرارة لتثير استغراب السكان وتذهلهم! «كان الدانوب متجمدا قبل عدة أيام» يخبرني سائق التاكسي الذي صحبني من المطار. كانت لحظة عظيمة فقد استمتعت بالمشي في هذه الأجواء وتخففت من طبقات الملابس وبعد عودتي ضحكت طويلا وأنا اتابع نشرات الأخبار وصور أهل فيينا على المواقع الاجتماعية: عاصفة ثلجية تاريخية تغمر فيينا والنمسا بغطاء أبيض وتعطل الطيران والمواصلات.

في أيامي الماضية غمرني حماس كبير لتصوير اليوميات والكتابة عن مواضيع أحبّها. أجلس أمام جهازي وأفقد شهيتي فورًا، ثم انتقل لمهمة أخرى. وهكذا قضيت الأيام في كسلٍ محبب. وتذكرت في وسط هذا حصص الفراغ. حتى اسمها كان جميلًا: حصة فراغ! تدخل فيها المعلمة البديلة على فصلنا وتطالبنا بالهدوء وفعل أي شيء. كنت ارسم، اكتب، اتحدث بصوت خفيض مع زميلاتي. وإذا كانت الحصة قبل الفسحة الصباحية؟ هذا يعني أن لنا فرصة الذهاب للمقصف والتسوق قبل أن نُدهس من طالبات الفصول العليا لاحقًا. وإذا كانت الحصة الأخيرة؟ سنستعد للخروج قبل الجميع إلى الحافلة وسأحصل على كرسي استراتيجي تحت فتحة التكييف مباشرة وهذا ما يتطلبه جوّ مدينتي القديمة الخانق.

هناك الكثير لقوله في هذه المساحة. لكن عيني على عدّاد الكلمات وفي ذهني خطتي للعودة إلى التدوين بكثافة من جديد. عدد من المواضيع مناسبة للبحث والاستفاضة، وقد أروي لكم قصص من مقرري الدراسي القادم وقراءاتي المتخصصة والوثائقيات التي جهزتها للمشاهدة. قد أحدثكم عن تجربة قراءة جزئين من سلسلة صديقتي المذهلة لإيلينا فيرّاتني والذكريات الجيدة والمأساوية التي نفضتها فصول الكتاب.

استحضر الآن وأنا اختم التدوينة اقتباسًا كتبته لراينر ماريا ريلكه: «هكذا ننمو، من خلال هزيمتنا أمام أشياء أكبر منّا وأعظم»

بدت العبارة عندما قرأتها بالإنجليزية وحاولت ترجمتها وصفًا دقيقًا لما عشته في الشهور الماضية. لا أقصد طبعًا شعور الهزيمة بمعناه القاسي. فهي تشير إلى اللحظات التي تدفعنا فيها الحياة إلى ما هو أكبر من قدراتنا على الاستيعاب والتحمل ونخرج بعد ذلك وقد تبدّلنا. لم نعد كما كنّا وهذا معنى آخر للمرونة والتحمل. هذا ما أشعر به اليوم وأنا انظر لحياتي، تنقلاتي، رحلاتي، وحتى انتقالي من غرفة إلى أخرى في البيت. أحداث كثيرة متفرقة تجمعها حقيقة واحدة: التبدل والاتساع! مسؤوليات جديدة تتطلب نسخة أكثر نضجًا وثباتًا مني. لهذه الصعوبات جمالية عظيمة. خرجت من المألوف إلى المألوف إلى المختلف.

.

.

.

الصورة في التدوينة لفيرمير

.

.

.

 

دروس إبداعية من السيد سكورسيزي

شاهدتُ قبل نهاية ٢٠٢٥ سلسلة وثائقية عن صانع الأفلام الأمريكي مارتن سكورسيزي. خمس حلقات أخرجتها ريبيكا ميلر وعرضت أولا في مهرجان نيويورك للسينما ومن ثمّ رقميًا على منصة Apple Tv+  في أكتوبر ٢٠٢٥. كل جزء من السلسلة مدته حوالي الساعة وكانت عناوين الحلقات:

  • Stranger in strange land
  • All this filming isn’t healthy
  • Saint/Sinner
  • Total Cinema
  • Method Director

تركتني السلسلة مع كثير من التأملات والأفكار بالإضافة لإعجابي الشديد وحبّي السابق والقديم للمخرج. خرجت من المشاهدة بملاحظات أحببت مشاركتها في تدوينة سريعة!

حوّل قيودك إلى نوافذ للإنطلاق

عانى سكورسيزي في طفولته من الرّبو ولأجل ذلك بقي حبيسًا في غرفته لفتراتٍ طويلة. وكان عالمه الخارجي منظرًا متحركًا عبر النافذة. كانت نظرته العلوية على حيّ ليتل إيتالي النيويوركي اللمحة الأولى على مستقبله الفنّي. هيأته هذه التجربة الإنفرادية لرؤية العالم من خلال زوايا محدودة ومن هذه النظرة ظهرت عناصر أسلوبه البصري في سرد القصص وتطوّرت مهاراته في التقاط أدقّ التفاصيل.

صراعاتك الداخلية قد تغذي أفضل أعمالك

لا تغفل السلسلة شياطين سكورسيزي الشخصية، فالحلقة الثانية مثلا تتناول تعاطيه المخدرات التي كادت تنهي حياته بنهاية السبعينيات ميلادية. وشاهدنا معاناته مع الغضب والاكتئاب. في الحلقة نفسها تستذكر زوجته السابقة إيزابيلا روسيليني غضبه الذي منحه القدرة على التحمل لتجاوز فترات التصوير الصعبة. ويتحدث سكورسيزي عن معاناته ودور العلاج النفسي في إنقاذ حياته. من هذه المعاناة جاءت أفلامه صادقة وجريئة لأنه لا يخشى استكشاف أكثر جوانب التجربة الإنسانية ظلمة، بما فيها نفسه.

ابحث عن مبدعين يشاركونك رؤيتك

بنى سكورسيزي شراكات رائعة على امتداد حياته الإبداعية. من ممثلين لكتّاب لمنتجين ومحرّرين. وجسدت سيرته قوة التعاون مع شركاء إبداعيين مناسبين. هؤلاء هم الذين يرون رؤيته الإبداعية ويدعمون تحقيقها. فالنجاح بالنسبة لهم لا يتطلب الفردانية، بل يعززه التعاون وينعشه. هذا الدرس أيضًا يوضح أهمية الثقة التي تبنى مع الوقت وتتيح للمبدعين الجرأة على المجازفة والتجريب.

حافظ على فضولك واستمرّ في التعلم

تجاوز سكورسيزي اليوم عمر الثمانين وما زال شغوفًا بالعمل ومتشوقًا إليه. ومن يشاهد هذه السلسلة يشهد استمرارية فضوله ونهمه للتعلم. نشاهد أيضا تكييفه لأسلوبه الإخراجي مع أجيال متعاقبة من الممثلين ومنهم على سبيل المثال ليوناردو دي كابريو ودانييل داي لويس. إذا كان هناك نصيحة يمكننا التقاطها وتبنّيها: دراسة أعمال الرواد وإثراء الذائقة الفنيّة دائمًا. حقق سكورسيزي أصالته بالتعلم المستمر وهذا درسٌ لنا جميعًا.

تكرار المواضيع ليس فشلًا

يكرّر سكورسيزي عدة ثيمات في كلّ أفلامه تقريبًا: العنف والإيمان والأخلاق والسلطة والهوية. لم يكن ينظر لهذا التكرار بشكل سلبيّ. لكنه بطريقة ما كان يتعمق أكثر في الثيمات مع مرور الوقت والتجربة. وعندما أفكر بنفسي أجد أني لطالما كنت أبحث عن الجديد المختلف وهذا مجهد ومقلق أحيانًا. لكنّ العودة لمكانٍ مألوف وزيارته أكثر من مرة وطرح أسئلة مختلفة يعدني بشيءٍ جديد.

.

.

.