أحبّ هذه اللحظة من كلّ سنة. لحظة قلب الصفحة بعد الجلوس مع النفس وتأمّل كلّ ما فات وخصوصًا التدوينة التي كتبتها بحماس لبدء العام الماضي. ما الذي كنت أفكر فيه؟ وما توقعته من نفسي؟ ما هي التحديات واللحظات المفصلية التي أوشك على الاقتراب منها؟ كيف صبرت وناورت وتعلّمت؟ السنة الماضية فاجأتني بشكل غير متوقع، والمفاجآت فيها حدثت تدريجيًا وخالفت كلّ التوقعات. أكثر سنوات حياتي بهجة وغرابة وضبابية! فيها أدركت أن التغيير لا يعني إعادة ابتكار الذات أو قلب الحياة رأسًا على عقب. أحيانًا يأتي التغيير على هيئة التعامل بتوازن أكبر مع نفسي والتخلص من كلّ القيود المفتعلة ورميها من النافذة. وإذا كنت سألخص دروس أو أفكار مهمة من السنة ستكون كالتالي:
المحور الأول: الذات والحياة الداخلية
كان هذا المحور عمود السنة كلّها. ارتكازي واعتمادي وطاقتي كلها استمدها من حياتي الداخلية. عندما آمنت أن أي تغيير خارجي لا يستقر فعلا إلا باستقرار داخلي. كيف أتكلم مع نفسي؟ ما هي حدودي؟ وكيف أحسن علاقتي مع الوقت والضغوط والهدوء.
الوضوح يأتي مع الحركة لا قبلها!
اكتشفت أني كلما انتظرت لحظة كاملة مناسبة بوضوح كامل تأخرت عن الحركة والتنفيذ. كانت حياتي متوقفة على علامة أو إشارة منتظرة لن تأتي حتى تحققت أن الوضوح لا يسبق الخطوة بل يتشكّل معها. مع التجربة مع المحاولة ومع الأخطاء التي تعلمنا أكثر من أي نظرية. أي حركة مهما كانت بسيطة كانت أفضل من الدوران والحبس في نفس الدائرة.
الراحة كوقفة للصيانة، لا مكافأة
لسنوات طويلة تعاملت مع الراحة وكأنها جائزة أو مكافأة لا استحقها إلا بعد إنجاز أو تعبٍ شديد. وهذه السنة نقلتني إلى فكرة مختلفة: الراحة ليست ترفًا بل جزءا من نظامي المتكامل مثل شحن الأجهزة وإعادة تهيئتها. ما الذي تغير؟ لم أعد انتظر انتهاء البطارية تمامًا لأفكّر بالشحن. ما الذي حدث؟ صار ذهني أخفّ وقرارتي أوضح ومزاجي أقلّ تقلبًا.
متعة وضع الحدود
دائمًا ما ربطت قول “لا” بالقسوة! والمفاجأة أن الحياة علمتني تدريجيًا أن العكس صحيح. الحدود لم تقلل من لطفي، بل حمت لطفي من الاستنزاف. عندما تقول “لا” تفتح مساحة أوسع للمزيد من “نعم” التي تريدها. نعم للهدوء والوقت الخاص، والحضور الصادق بدلًا من الحضور المرهق.
اللطف لا يعني التواجد الدائم
أحيانًا نخلط بين الطيبة وبين التوفّر المستمر. هذا العام فهمت أن اللطف ليس أن أكون متاحة طول الوقت، بل أن أكون إنسانة حقيقية متوازنة في عطائي وقادرة على الاعتذار وقادرة على حماية نفسي. فالكرم بلا حدود يتحول إلى إرهاق والإرهاق يتحول إلى ضيق.
لست بحاجة إلى إذن لاختيار ما هو خير لي
كنت أكثر شخص أعرفه يبحث عن تأكيد لقراراته ويستشير الآخرين في أغلب قراراته حتى يتخفف من التردد. احتجت لسنوات عديدة للتخلص من هذه المعضلة. وجزء من عملي على هذه المشكلة هي تذكر ثقتي بحدسي وذائقتي وما أعرفه في الحياة. كل هذه الأمور كافية لاتخاذ قرار مناسب في اللحظة المناسبة. وماذا اكتسبت كإضافة؟ قلت حاجتي للتبرير بعد كل قرار.
المحور الثاني: الإبداع، والكتابة، والتعلّم
وضعت أهدافًا كثيرة لهذا المحور وضحكت من حماسي عندما غرقت في منعطفات السنة المدهشة! ٥٢ تدوينة أو أكثر، كتابي الأول في الأسواق قبل ديسمبر، و٦ ورش عمل متخصصة في الكتابة الإبداعية بأشكالها. لم أحقق كل الأهداف بل نصفها تقريبًا (إذا استثنيت الورش التي قدمتها كلها).
صوتي الإبداعي كممارسة لا حالة مؤقتة
كتبت بأشكال مختلفة. تدوين يومي ومذكرات، تدوينات رقمية، فصول من الكتاب وكتابة عشوائية لإفراغ رأسي. لم أكن متأكدة ١٠٠٪ من أيّ شيء. كان صوتي يظهر منتعشًا عندما أدوام على العودة للورقة والقلم ولوحة المفاتيح. الصوت الإبداعي لا يأتي من الثقة وحدها بل من التكرار والمراجعة والتعلم والمحاولة.
الاستمرارية أكثر إبداعًا من الإلهام
الإلهام جميل لكنّه غير مضمون! والاستمرارية من جهة أخرى تبدو أقل شاعرية منه لكنّا هي التي تبني العمل الحقيقي. كيف طوّعت مزاجي؟ وضعت نفسي في مكان يسمح للإبداع أن يزورني: جدول بسيط ووقت واضح للعمل وتوقعات واقعية. أحببت عبارة تقول: الإلهام ضيف، والاستمرارية هي البيت.
التخطيط الجيد لغة حبّ مع الذات
التخطيط للمشاريع الإبداعية يشعرني بأني أضع يدي في يدّ نسختي المستقبلية الأفضل. هناك مساحة للإبداع العفوي لكن في أوقات كثيرة أحتاج التركيز وبناء المخططات قبل وضع حرف في جملة جديدة. أفعلها مع ورش العمل مثلا، أو في المشاريع المستقلة التي انجزها لعميل. اتخفف بالتخطيط من صراعاتي الذاتية وشكّي لأن الصورة تصبح أوضح.
لا ينبغي تحويل كلّ فكرة جيدة إلى مشروعٍ كامل
الخفّة كانت جزء من مباهج هذه السنة. وانعكس الأمر على جوانب كثيرة من حياتي ومنها المشاريع الإبداعية والأفكار. اكتفي بالعمل على فكرة صغيرة وإطلاقها في الحياة حتى وإن لم تتبلور لمشروع متكامل الأطراف. وفي أحيانٍ كثيرة يعني ذلك كتابتها كملاحظة في دفتر “كلّ شيء” الذي استخدمه لجمع الأفكار والبذور لزراعتها مستقبلًا.
تجارب ممتعة = كتابة أكثر
عندما امتلأت أيامي بالتجارب والمغامرات والحركة أصبحت كتابتي أكثر امتلاءً. في نهاية اليوم أجلس لكتابة اليوميات وابتسم من تشعب الفكرة وعمقها أحيانًا. هذه السنة أيضا فاجأتني قراءاتي بعد انعدام شهية طويلة قرأت في مواضيع مختلفة وباللغتين العربية والإنجليزية. أثرت القراءات على كتابتي وأيامي وكأني استعدت صديقًا مفقودًا منذ سنوات!
المحور الثالث: الصحة، والطاقة، والجسد
تخففت هذه السنة من زيادة وزن “الرياض” هكذا أسميت التأثير الغريب الذي تركه الانتقال إلى مدينة كبيرة على جسدي ونفسيتي. ولأن علاقتي بجسدي تنعكس على ثقتي وهدوئي ومزاجي وحتى قدرتي على الإبداع سعدتُ كثيرًا بهذا التغيير.
يستجيب جسدي للإيقاع أكثر من الشدة
التغييرات الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى الشدّة بل تحتاج انتظامًا. حافظت على نومي في وقت محدد، وجبات في وقت واحد وحركة متكررة مستمرة بأشكال متعددة. تحسنت طاقتي وقدرتي على التحمل وقل تشتتي وشعوري بالذنب.
القوة شعور
البدء بتمرينات القوّة Strength Training عزز شعوري الداخلي بالقدرة. أنا قوية! ومع أنّ النتائج لم تظهر بسرعة لكني علمت أن التكرار والاستمرار ستظهر تقدّمي.
كل شيء أو لا شيء فكرة لا تخدمني!
كانت هذه الفكرة في الماضي سببًا رئيسيًا في توقفي عن التقدم. وهذه السنة تدربت على الاقتناع بفكرة القليل المفيد: قليل من الحركة المستمرة قليل من القراءة كل يوم قليل من الكتابة العميقة وقليل من الطهي الأسبوعي وتجهيز الوجبات. كل هذه الأفكار منعشة وتعطي انطباعًا حقيقيًا بالإنجاز!
الألم رسالة انتباه
ليس من الشجاعة تجاهل الألم. كلما شعرت به في مكانٍ في جسدي توقفت واستفسرت. احترمت نصائح الأطباء وحرصت على الاستشارة وتطبيق آليات التعافي لأني أريد جسدًا يحملني لسنوات لا نتائج ترضيني لأسبوعين.
قرارات أقل = تقدم أكبر
كلما بسّطت حياتي، تحسّن تقدمي: وجبات متكررة بدل الحيرة، تمارين محددة بدل التنقل، خطة أسبوعية واقعية بدل المثاليات. تقليل الصدام مع نفسي في اتخاذ قرارات يومية حرر ذهني وساعدني على التركيز في مجالات أخرى.
المحور الرابع: العلاقات
هذه السنة كانت بعلاقات أقلّ وفرص أفضل للقاءات ذات معنى.
العلاقات المناسبة تجعل الحياة أكثر هدوءًا
لا تتطلب العلاقات الجيدة نسخة أفضل من نفسي ومثالية مجهدة طوال الوقت. لا تطالبني بأداءٍ عالي أو قلق لاكتساب الرضا. كل ما تحتاجه حضور حقيقي وصدق واحترام للحدود وهذه الأسس التي أعدت من خلالها تأطير كل علاقاتي بلا استثناء.
التخفف من تبرير الذات
لطالما كنت الشخص الذي تعلم مهارة الكثير من التبرير والشرح لضمان أن يفهمه الآخرين. وكغيرها من السمات التي عشت معها طويلا احتاجت مني العمل على فعل العكس. العلاقات الجيدة الصحية لا تطلب مني كل هذا. بعض الأمور يكفي أن تقال ببساطة ووضوح والباقي ليس مسؤوليتي.
الاطمئنان يمنع سوء الفهم
والاطمئنان يولد من التواصل البسيط الدائم واللقاءات ذات المعنى. عندما تحدث هذه الأشياء في وقتها المناسب تحمي العلاقات من تراكم ما لا نقوله.
المحور الخامس: نمط العيش
هذا المحور كان خلاصة العام: كيف أبني حياة قابلة للعيش؟ حياة استمتع بها كلّ يوم واكتشف نفسي. وكيف أصنع نظامًا يخدمني بدل أن يضغطني؟
متابعة التقدم بعيدًا عن الهوس
تابعت نفسي بانتظام مع التركيز على المرونة والعفوية. أصبحت هذه المتابعة مرآة لطيفة أفهم من خلالها نفسي وتجاوبي مع التغيير. لم أطلق الأحكام عند حدوث الفوضى لأن التتبع يعطيني نتائج حقيقة. أعرف في كل مرة لماذا وصلت هذا المكان كل فعل له ردة فعل.
مساحة هادئة = ذهن هادئ
رتبت محيطي وتخففت وجردت مكتبتي وأوجدت مساحة للعمل تضيئها الشمس طوال النهار. الترتيب يقلل الضوضاء ويقول لجهازي العصبي أن كلّ شيء تحت السيطرة -حتى لو كانت فكرة أقولها لنفسي لتهدأ.
الوفاء بوعودٍ صغيرة غيّر كل شيء
كيف يبدو الوعد الصغير؟ تقديم موعد النوم ساعة، أو اختيار أيام محددة للعمل من المنزل والتسوق واللحاق بما يفوتني في صباحات العمل. أوفيت بوعدي بالكتابة يوميًا كل ليلة لتفريغ رأسي وقلبي ولبناء أرشيف أعود إليه لاحقًا.
هذه تدوينة طويلة مناسبة لنهاية العام!
كيف كانت سنتكم؟ وما هي الدروس التي ستحملونها معكم للعام القادم؟
.
.
.