أربعة أسئلة ليوم طويل

انتهيت من كتابة تدوينة الأسبوع الماضي وشعرت بحماس مختلف للعودة للتدوين. شيء قال لي جهزي جدول تدوينات لشهور مستقبلية وتذكرت جيمس كلير في إحدى نشراته البريدية السابقة وقد تحدّث عن هذه اللحظات التي نشعر فيها بحماس لفعل كل ما هو مؤجل. فكرته تنصح باستغلال هذه اللحظات لتسهيل الأمور عندما يقلّ حماسنا. إذا شعرت برغبة في الكتابة مثلا، اكتب وجهّز مسودة وصمم نظام تدوين كامل إذا أردت!

وإذا أردت ممارسة الرياضة جهز الملابس والأدوات قبل وقت ليسهل عليك أداء التمرين التالي وهكذا. لم تكن هذه الخطة الأولية لكن بما أن اللحظة حانت قلتُ سأدون كل خميس ما يمر بذهني وما أشعر بالرغبة في مشاركته. في أسبوع ما سيكون تذكر أحداث أيامي ومفضلاتها، وفي خميسٍ لاحق موضوع ابحرت فيه واكتشفت المزيد من أسراره. وهكذا تدريجيًا أتبع فضولي أين يأخذني واكتب متى ما كان الحماس موجود.

هذا الأسبوع اختبرني بصدق. كنت أحاول الالمام بكل تفاصيل العمل في إدارتي الجديدة والتعرف على الفريق الذي أصبحت مديرته خلال ساعات! لدي خطة للعمل لكن ينبغي وزنها وتمريرها على أعضاء الفريق وإسناد المهامّ لمن تناسبه المهمة حقًا. وفي الصورة الأشمل تغيرات كبيرة على طبقات ومستويات. في لحظة تأمل لما يحدث حولي حاولت وصف مشاعري وتعاطيّ مع كل شيء: تخيلت قطعة سجاد هائلة مُدت على أرض الصالة في أمسية عائلية ضخمة. الأطفال يلعبون بمكعبات الليغو في طرفها، والطرف الآخر الأمهات يتناولن المكسرات ويتركون قشورها حول المكان، وهناك أيضا فناجين شاي زجاجية وأباريق، وأنا في زاوية أركب أحجية من ألف قطعة. أحدهم سحب السجادة وضربها عاليًا وتناثر كل شيء حولي وسقط أرضًا. نعم هذا بالضبط ما أشعر به الآن!

وبالحديث عن الشعور وبما أن التدوينات السريعة هذه عشوائية جدًا تذكرت أداة استكشاف دونت عنها في مذكرتي لاستخدمها في حياتي اليومية. الأداة اسمها HALT ولم أجد اختصارًا عربيًا لها لكن الفكرة ليست عميقة أو معقدة. الحروف تختصر أربع كلمات انجليزية: hungry, angry, lonely, tired. جائعة أو غاضبة أو وحيدة أو متعبة. حسنًا ماذا نفعل بهذه الكلمات؟ عندما أشعر بانعدام الصبر وأي شيء يمكنه استفزازي أفكر في هذه الكلمات الأربع قبل أن أرد أو أقرر واسأل نفسي أربعة أسئلة:

  • هل أنا جائعة؟
  • هل أنا غاضبة؟
  • هل أنا وحيدة؟
  • هل أنا متعبة؟

الجميل في هذا الاختصار أنه يعيد ترتيب المشهد بسرعة لأن المشكلة لا تكون في الموقف بحدّ ذاته بل في احتياج صغير مهمل. وجبة مشبعة أو مشروب بارد منعش أو محادثة من قريب أو قيلولة استعيد بها توازني. عندما ألبي هذا الاحتياج الأساسي يصبح كلّ شيء قابل للحلّ وردة فعلي تجاه الصعوبات تصبح أهدأ وأصدق.

من أين جاءت هذه الأداة؟ شاع استخدامها في مجتمعات التعافي من إدمان الكحول وبرنامج الخطوات الـ١٢. كانت بمثابة الإنذار المبكر الذي يساعد على الانتباه لحالات تُضعِف القدرة على ضبط النفس قبل أن تتفاقم. ثم انتقل استخدامها إلى مساحات أوسع في الإرشاد والعلاج النفسي لأنها سهلة التذكر وعملية وتصلح للحياة اليومية بلا تعقيد.

وأنا بِصراحة أحبّ الأدوات التي تعطي نتائج واضحة بلا فلسفة زائدة.

في مفضلات هذا الأسبوع:

 

.

.

حصّة فراغ

أجلس اليوم لكتابة هذه التدوينة بلا هيكل واضح أو فكرة رئيسية وهو شيء لم أفعله منذ وقتٍ بعيد. أحبّ التنظيم والكتابة المنظمة لكن أحبّ أيضًا التبدد بالكتابة والاستسلام للاستطراد. أريد أن أوجز شيئًا غير قابل للإيجاز: الثلاثة أشهر الماضية! بدأت التفكير في الكتابة هنا بعد انتهائي من ترتيب مكتبي الجديد والتفتت باتجاه النافذة لأرى السماء الغائمة والغبار الثائر من زاوية أخرى. لا أدري هل كان الغبار ناتجًا من عمليات البناء وتحريك الأرض أو أنّ الأجواء فعلا مغبرة. شعور التأسيس والبداية الجديدة ملهم ومنعش. كانت هذه اللحظة مناسبة للتأمل: الآن يمكنني الجلوس قليلًا قبل البدء في فصلٍ جديد.

منذ بداية السنة أدوّن يومياتي بشكل يومي بلا توقف، وفي أيام السفر دوّنتها على شكل فيديوهات قصيرة. أو احتفظت بالتفاصيل مصورة لأعود وأكتبها في المذكرة بعد عودتي. حافظت على روتين تدوين يومي مريح باعتماد فكرة non-negotiable minimums   أو تفاصيل يومية وعناصر لا استغني عنها أو أؤجلها. اكتب لأن الكثير يحدث ولا شيء في نفس الوقت. واحتجت للتأمل والبحث عن نقاط ارتباط مع فترات ماضية من حياتي تشبه ما أمرّ به اليوم. ذاكرتي محشوة بالقصص لكن عندما يحتدم الأمر أجدني مضطرة للبحث فيما كتبته سواء رقميًا أو في دفاتري المخزنة. ليتني أجيد طريقة فهرسة بالكلمات المفتاحية في بداية كل مذكرة أو نهايتها لتساعدني في العودة للحديث. شيء يشبه المفاتيح المختصرة في لوحة مفاتيح جهازي أو محرك بحث الملاحظات في هاتفي المحمول. سيكون للكلمات ثيمة عامّة: فوضى، تحول، قنوط، حبسة، تردد، خوف، مغامرة، قفز. وما أكثر القصص التي ستندرج تحتها.

يرتب ذهني الشهور الماضية بالشكل التالي: فيينا، رمضان، روما. لكن هذه هي التفاصيل التي يحبّها وهي كسولة نوعًا ما، هل هكذا فعلًا بدت أيامي؟

في لحظة كنت استمع لسيمفونية قدّاس الموتى لموزارت في غرفة مظلمة في شقته بفيينا، واتأمل قناع الموت الذي صنعوه له بعد موته. اقترب من الزجاج وأشعر بقشعريرة غريبة! وفي لحظة أخرى أجلس في اجتماع في مكان عملي لتبلغني مديرتي بتغييرات ستحدث والآن علي البحث عن إدارة بديلة داخليًا. كان عليّ أن أعيد اختراع نفسي، أن احرق كلّ شيء وابدأ من جديد.

في مذكرتي التي اسميتها The Brain  أدون كل شيء يعجبني بشكل يومي أو أسبوعي وقد تحدثت عنها سابقًا. في صفحة ما في فبراير كتبت عن دراسة أجراها ديفيد غونزاليس وفريقه بين ٢٠١٦-٢٠٢٢ استكشفت بشكل أساسي أهمية التجديد لذاكرتنا وخلايانا العصبية والأهم من ذلك شخصياتنا. وجدت الدراسة التي أجريت على آلاف الأشخاص أن أولئك الذين خاضوا تجارب جديدة ووضعوا أنفسهم في بيئات جديدة، وجربوا أشياء جديدة كالطعام والموسيقى والأفلام كانوا أكثر سعادة وشعروا بتناغم أكثر مع ذواتهم.

ودراسة أخرى أجرتها أورسولا ستودنجر وآخرون في ٢٠١٧ على عمال إنتاج كلفوا بمهام جديدة مرة واحدة في كل نوبة عمل. لاحظت الدراسة أن لديهم مساحة أكبر من المادة الرمادية في أدمغتهم بعد ذلك مقارنة بمن لم يكلفوا بأعمالٍ جديدة ومختلفة أو حل مشكلات غير مألوفة. المادة الرمادية في الدماغ ضرورية للمهام اليومية والعاطفة والذاكرة.

وباختصار، من خلال الخروج والاستكشاف والنظر إلى ما هو أبعد من ذواتنا وحياتنا اليومية نتمكن بطريقة ما من معرفة أنفسنا بشكل أفضل. لماذا؟ لأن عقلك خُلق للبحث عن كلّ جديد. ليرى العالم ويواجه التحديات ويتذوق الطعام الحلو ويشعر بالدهشة عند رؤية شلال أو مقابلة ناس جدد. وعندما لا يحصل على ذلك يتحول إلى ما يشبه الحيوان الحبيس في قفص يذرعه جيئة وذهابًا. وهذا ما شعرت به بالتحديد لوقتٍ طويل من حياتي! وحتى عندما كنت استعذب التغيير وأفرح به واتحمس له أعود من جديد لمتاهتي وتصغر المساحة حولي وتثير قلقي. كل المؤشرات كانت تقول التغيير قادم إذًا لماذا لم ابتهج؟

لأني كنت ابحث عن الاستقرار بعد وقت طويل من التنقل، في حياتي المهنية والشخصية. وكان الأمر المضحك حقًا وأنا اقرأ عن التجديد وفائدته لتحسن دماغي وذاكرتي، كنت ممتعضة لأن التغيير في مكان عملي رافقه انتقال داخلي من غرفة لأخرى. لم يكن التغيير مبهجًا في اللحظة الأولى لكني حولته لشيء ممتع! ديكور جديد، ستائر، مفارش، تخفف وجرد للمكتبة والملابس وكلّ شيء. وفي الوقت المناسب للانتهاء من ذلك جاء رمضان وبدأت المحركات تهدأ. اخترت بدء إجازة رقمية اعتزلت فيها التطبيقات والمشاركة. لم يكن لدي ما أقوله أو أرويه لكن الكتابة اليومية استمرت، اقتباسات قصيرة وقراءات ومشاهدات في التاريخ والفنّ. وحفزني التخطيط لرحلة روما الربيعية للبحث أكثر في فنّ عصر النهضة الإيطالي وقررت التسجيل في مقرر دراسيّ مدته عشر أسابيع يبدأ نهاية هذا الشهر! التزام جديد ولد من لحظة تأمل ومن رغبتي في التجديد وإيجاد مساحة اتخفف فيها من مهامّ العمل. هذا المقرر لي، ليس لشهادة أقدمها لإدارة الموارد البشرية، أو لاجتياز اختبار ما.

لقد حذّرتكم طبعًا من الاستطراد والمواضيع المتشابكة لكن هذا ما يحدث عندما اتأخر عن الكلام كثيرًا!

خلال الأشهر الماضية قرأت عدة كتب دفعتني للتأمل وتزامنت مع التفكير في إعادة البناء وثيمة الانتظار والصبر والنظر للأمور من زاوية جديدة. لكن الذي بقي معي منها هو الاقتباسات اللطيفة التي دونتها في مذكرة القراءة. ففي كتابها «مداواة الخواء» شرحت ياسمين مجاهد فكرة كانت ترهقني: هل أنا مستعدة فعلًا لتحمل الأمور التي تحدث معي؟ هل أجمّل واقعي وانظر إليه من عدسة وردية أم أنّي فعلا مستعدة؟ قالت شيء جميل في كتابها في وصف احتمال الإنسان لما يحدث حوله:

يختلف البشر في مرونتهم، فحريق الغابة لا يصيب كلّ شجرةٍ فيها بالدرجة نفسها. شجرة السكويا الضخمة، على سبيل المثال، مقاومة للنار تقريبًا، والسؤال هنا هل يمكن لقلوبنا أن تكون مثل شجرة السكويا؟ وإذا طرحنا سؤالًا أعمق، فهل يمكننا نحن البشر أن نصل إلى درجة تفوق مجرد النجاة؟ عندما تتمحص في تعريف المرونة تكتشف أنه يشير إلى التكيف والنجاة في وجه التحديات، ولكن ماذا لو كان هنالك شيء أكثر أهمية؟ ماذا لو كان بمقدور البشر أن يحققوا أكثر من مجرد النجاة من عواصفهم؟ ماذا لو كان بإمكاننا الازدهار في عواصفنا؟ ماذا لو كان هناك شيء يفوق المرونة؟

الكتاب وإن لم يكن أتى بالجديد بالكامل لكنّ فصوله كانت تلمس مكانًا عميقا في نفسي وكل عدة صفحات أخرج بتنبيه يذكرني بأن الصعوبات المؤقتة ليست شرًا كاملًا. وهذا الانزعاج مؤقت. وهذا الصخب سيمضي!

ما الذي أنقذ مرونتي إذًا؟

أربعة أشياء صغيرة في نظر البعض لكنّها عظيمة لديّ: موعد قرائي مع نفسي كلّ يوم، سواء في مكان العمل أو في مقهى هادئ أحبّه أو قبل غفوتي في المساء. تدوين يومياتي وإن كانت سطرًا أو اثنين. أدون بلا هيكل محدد، اتحدث يومًا عن مشتريات استهلاكية وحماسي لحذائي الجديد وفي يوم آخر انكأ جرح قديم وأعيد علاجه بالكتابة. والأمر الثالث والأهم تمسكت بنومي العميق كما لو كنت احتضن طفلا صغيرًا أو طوق نجاة. والرابع: المشي! المشي في كل مكان وإلى أي مكان. متى ما كان الطريق متاحًا كنتُ أمشي. وكانت الأجواء جميلة خلال الأشهر الأولى من السنة وساعدتني جدًا. مشيت في أرضٍ جديدة، مشيت في طرق أعرفها، ومشيت من سيارتي في أقصى زاوية من المواقف الفارغة. كنت أقف بعيدة لأجبر نفسي على المشي. هذه اللحظات التي اقتنصها من يومي كانت تخصّني وحدي. لا صوت إلا صوتي.

تذكرت اقتباس قديم حفظته من رسائل كافكا: «عزيزتي، نامي جيدًا واذهبي للمشي.» وكم تبدو هذه الفكرة سهلة جدًا لكن تطبيقها صعب. فقد حصلت على حصتي من الأرق واختلال النوم وأظن أن ذلك ملازم للقلق الذي أعيشه من التغيير وصفة التغيير وتوقيت التغيير. وعندما هدأت نفسي أخيرًا انضبط كلّ شيء. أظن فيينا كانت السبب؟ كانت رحلة للبحث عن الثلج! نعم بالإضافة إلى حماسي وفضولي تجاه فيينا كنت في رحلة مخصصة لرؤية ثلوج فبراير. اشتريت ملابس ثقيلة وحذاء مناسب وما إن وصلت للمدينة حتى ظهرت الشمس البهية وارتفعت درجات الحرارة لتثير استغراب السكان وتذهلهم! «كان الدانوب متجمدا قبل عدة أيام» يخبرني سائق التاكسي الذي صحبني من المطار. كانت لحظة عظيمة فقد استمتعت بالمشي في هذه الأجواء وتخففت من طبقات الملابس وبعد عودتي ضحكت طويلا وأنا اتابع نشرات الأخبار وصور أهل فيينا على المواقع الاجتماعية: عاصفة ثلجية تاريخية تغمر فيينا والنمسا بغطاء أبيض وتعطل الطيران والمواصلات.

في أيامي الماضية غمرني حماس كبير لتصوير اليوميات والكتابة عن مواضيع أحبّها. أجلس أمام جهازي وأفقد شهيتي فورًا، ثم انتقل لمهمة أخرى. وهكذا قضيت الأيام في كسلٍ محبب. وتذكرت في وسط هذا حصص الفراغ. حتى اسمها كان جميلًا: حصة فراغ! تدخل فيها المعلمة البديلة على فصلنا وتطالبنا بالهدوء وفعل أي شيء. كنت ارسم، اكتب، اتحدث بصوت خفيض مع زميلاتي. وإذا كانت الحصة قبل الفسحة الصباحية؟ هذا يعني أن لنا فرصة الذهاب للمقصف والتسوق قبل أن نُدهس من طالبات الفصول العليا لاحقًا. وإذا كانت الحصة الأخيرة؟ سنستعد للخروج قبل الجميع إلى الحافلة وسأحصل على كرسي استراتيجي تحت فتحة التكييف مباشرة وهذا ما يتطلبه جوّ مدينتي القديمة الخانق.

هناك الكثير لقوله في هذه المساحة. لكن عيني على عدّاد الكلمات وفي ذهني خطتي للعودة إلى التدوين بكثافة من جديد. عدد من المواضيع مناسبة للبحث والاستفاضة، وقد أروي لكم قصص من مقرري الدراسي القادم وقراءاتي المتخصصة والوثائقيات التي جهزتها للمشاهدة. قد أحدثكم عن تجربة قراءة جزئين من سلسلة صديقتي المذهلة لإيلينا فيرّاتني والذكريات الجيدة والمأساوية التي نفضتها فصول الكتاب.

استحضر الآن وأنا اختم التدوينة اقتباسًا كتبته لراينر ماريا ريلكه: «هكذا ننمو، من خلال هزيمتنا أمام أشياء أكبر منّا وأعظم»

بدت العبارة عندما قرأتها بالإنجليزية وحاولت ترجمتها وصفًا دقيقًا لما عشته في الشهور الماضية. لا أقصد طبعًا شعور الهزيمة بمعناه القاسي. فهي تشير إلى اللحظات التي تدفعنا فيها الحياة إلى ما هو أكبر من قدراتنا على الاستيعاب والتحمل ونخرج بعد ذلك وقد تبدّلنا. لم نعد كما كنّا وهذا معنى آخر للمرونة والتحمل. هذا ما أشعر به اليوم وأنا انظر لحياتي، تنقلاتي، رحلاتي، وحتى انتقالي من غرفة إلى أخرى في البيت. أحداث كثيرة متفرقة تجمعها حقيقة واحدة: التبدل والاتساع! مسؤوليات جديدة تتطلب نسخة أكثر نضجًا وثباتًا مني. لهذه الصعوبات جمالية عظيمة. خرجت من المألوف إلى المألوف إلى المختلف.

.

.

.

الصورة في التدوينة لفيرمير

.

.

.

 

دروس إبداعية من السيد سكورسيزي

شاهدتُ قبل نهاية ٢٠٢٥ سلسلة وثائقية عن صانع الأفلام الأمريكي مارتن سكورسيزي. خمس حلقات أخرجتها ريبيكا ميلر وعرضت أولا في مهرجان نيويورك للسينما ومن ثمّ رقميًا على منصة Apple Tv+  في أكتوبر ٢٠٢٥. كل جزء من السلسلة مدته حوالي الساعة وكانت عناوين الحلقات:

  • Stranger in strange land
  • All this filming isn’t healthy
  • Saint/Sinner
  • Total Cinema
  • Method Director

تركتني السلسلة مع كثير من التأملات والأفكار بالإضافة لإعجابي الشديد وحبّي السابق والقديم للمخرج. خرجت من المشاهدة بملاحظات أحببت مشاركتها في تدوينة سريعة!

حوّل قيودك إلى نوافذ للإنطلاق

عانى سكورسيزي في طفولته من الرّبو ولأجل ذلك بقي حبيسًا في غرفته لفتراتٍ طويلة. وكان عالمه الخارجي منظرًا متحركًا عبر النافذة. كانت نظرته العلوية على حيّ ليتل إيتالي النيويوركي اللمحة الأولى على مستقبله الفنّي. هيأته هذه التجربة الإنفرادية لرؤية العالم من خلال زوايا محدودة ومن هذه النظرة ظهرت عناصر أسلوبه البصري في سرد القصص وتطوّرت مهاراته في التقاط أدقّ التفاصيل.

صراعاتك الداخلية قد تغذي أفضل أعمالك

لا تغفل السلسلة شياطين سكورسيزي الشخصية، فالحلقة الثانية مثلا تتناول تعاطيه المخدرات التي كادت تنهي حياته بنهاية السبعينيات ميلادية. وشاهدنا معاناته مع الغضب والاكتئاب. في الحلقة نفسها تستذكر زوجته السابقة إيزابيلا روسيليني غضبه الذي منحه القدرة على التحمل لتجاوز فترات التصوير الصعبة. ويتحدث سكورسيزي عن معاناته ودور العلاج النفسي في إنقاذ حياته. من هذه المعاناة جاءت أفلامه صادقة وجريئة لأنه لا يخشى استكشاف أكثر جوانب التجربة الإنسانية ظلمة، بما فيها نفسه.

ابحث عن مبدعين يشاركونك رؤيتك

بنى سكورسيزي شراكات رائعة على امتداد حياته الإبداعية. من ممثلين لكتّاب لمنتجين ومحرّرين. وجسدت سيرته قوة التعاون مع شركاء إبداعيين مناسبين. هؤلاء هم الذين يرون رؤيته الإبداعية ويدعمون تحقيقها. فالنجاح بالنسبة لهم لا يتطلب الفردانية، بل يعززه التعاون وينعشه. هذا الدرس أيضًا يوضح أهمية الثقة التي تبنى مع الوقت وتتيح للمبدعين الجرأة على المجازفة والتجريب.

حافظ على فضولك واستمرّ في التعلم

تجاوز سكورسيزي اليوم عمر الثمانين وما زال شغوفًا بالعمل ومتشوقًا إليه. ومن يشاهد هذه السلسلة يشهد استمرارية فضوله ونهمه للتعلم. نشاهد أيضا تكييفه لأسلوبه الإخراجي مع أجيال متعاقبة من الممثلين ومنهم على سبيل المثال ليوناردو دي كابريو ودانييل داي لويس. إذا كان هناك نصيحة يمكننا التقاطها وتبنّيها: دراسة أعمال الرواد وإثراء الذائقة الفنيّة دائمًا. حقق سكورسيزي أصالته بالتعلم المستمر وهذا درسٌ لنا جميعًا.

تكرار المواضيع ليس فشلًا

يكرّر سكورسيزي عدة ثيمات في كلّ أفلامه تقريبًا: العنف والإيمان والأخلاق والسلطة والهوية. لم يكن ينظر لهذا التكرار بشكل سلبيّ. لكنه بطريقة ما كان يتعمق أكثر في الثيمات مع مرور الوقت والتجربة. وعندما أفكر بنفسي أجد أني لطالما كنت أبحث عن الجديد المختلف وهذا مجهد ومقلق أحيانًا. لكنّ العودة لمكانٍ مألوف وزيارته أكثر من مرة وطرح أسئلة مختلفة يعدني بشيءٍ جديد.

.

.

.

 

 

 

في وداع ٢٠٢٥

أحبّ هذه اللحظة من كلّ سنة. لحظة قلب الصفحة بعد الجلوس مع النفس وتأمّل كلّ ما فات وخصوصًا التدوينة التي كتبتها بحماس لبدء العام الماضي. ما الذي كنت أفكر فيه؟ وما توقعته من نفسي؟ ما هي التحديات واللحظات المفصلية التي أوشك على الاقتراب منها؟ كيف صبرت وناورت وتعلّمت؟ السنة الماضية فاجأتني بشكل غير متوقع، والمفاجآت فيها حدثت تدريجيًا وخالفت كلّ التوقعات. أكثر سنوات حياتي بهجة وغرابة وضبابية! فيها أدركت أن التغيير لا يعني إعادة ابتكار الذات أو قلب الحياة رأسًا على عقب. أحيانًا يأتي التغيير على هيئة التعامل بتوازن أكبر مع نفسي والتخلص من كلّ القيود المفتعلة ورميها من النافذة. وإذا كنت سألخص دروس أو أفكار مهمة من السنة ستكون كالتالي:

 

المحور الأول: الذات والحياة الداخلية

كان هذا المحور عمود السنة كلّها. ارتكازي واعتمادي وطاقتي كلها استمدها من حياتي الداخلية. عندما آمنت أن أي تغيير خارجي لا يستقر فعلا إلا باستقرار داخلي. كيف أتكلم مع نفسي؟ ما هي حدودي؟ وكيف أحسن علاقتي مع الوقت والضغوط والهدوء.

الوضوح يأتي مع الحركة لا قبلها!

اكتشفت أني كلما انتظرت لحظة كاملة مناسبة بوضوح كامل تأخرت عن الحركة والتنفيذ. كانت حياتي متوقفة على علامة أو إشارة منتظرة لن تأتي حتى تحققت أن الوضوح لا يسبق الخطوة بل يتشكّل معها. مع التجربة مع المحاولة ومع الأخطاء التي تعلمنا أكثر من أي نظرية. أي حركة مهما كانت بسيطة كانت أفضل من الدوران والحبس في نفس الدائرة.

الراحة كوقفة للصيانة، لا مكافأة

لسنوات طويلة تعاملت مع الراحة وكأنها جائزة أو مكافأة لا استحقها إلا بعد إنجاز أو تعبٍ شديد. وهذه السنة نقلتني إلى فكرة مختلفة: الراحة ليست ترفًا بل جزءا من نظامي المتكامل مثل شحن الأجهزة وإعادة تهيئتها. ما الذي تغير؟ لم أعد انتظر انتهاء البطارية تمامًا لأفكّر بالشحن. ما الذي حدث؟ صار ذهني أخفّ وقرارتي أوضح ومزاجي أقلّ تقلبًا.

متعة وضع الحدود

دائمًا ما ربطت قول “لا” بالقسوة! والمفاجأة أن الحياة علمتني تدريجيًا أن العكس صحيح. الحدود لم تقلل من لطفي، بل حمت لطفي من الاستنزاف. عندما تقول “لا” تفتح مساحة أوسع للمزيد من “نعم” التي تريدها. نعم للهدوء والوقت الخاص، والحضور الصادق بدلًا من الحضور المرهق.

اللطف لا يعني التواجد الدائم

أحيانًا نخلط بين الطيبة وبين التوفّر المستمر. هذا العام فهمت أن اللطف ليس أن أكون متاحة طول الوقت، بل أن أكون إنسانة حقيقية متوازنة في عطائي وقادرة على الاعتذار وقادرة على حماية نفسي. فالكرم بلا حدود يتحول إلى إرهاق والإرهاق يتحول إلى ضيق.

لست بحاجة إلى إذن لاختيار ما هو خير لي

كنت أكثر شخص أعرفه يبحث عن تأكيد لقراراته ويستشير الآخرين في أغلب قراراته حتى يتخفف من التردد. احتجت لسنوات عديدة للتخلص من هذه المعضلة. وجزء من عملي على هذه المشكلة هي تذكر ثقتي بحدسي وذائقتي وما أعرفه في الحياة. كل هذه الأمور كافية لاتخاذ قرار مناسب في اللحظة المناسبة. وماذا اكتسبت كإضافة؟ قلت حاجتي للتبرير بعد كل قرار.

 

المحور الثاني: الإبداع، والكتابة، والتعلّم

وضعت أهدافًا كثيرة لهذا المحور وضحكت من حماسي عندما غرقت في منعطفات السنة المدهشة! ٥٢ تدوينة أو أكثر، كتابي الأول في الأسواق قبل ديسمبر، و٦ ورش عمل متخصصة في الكتابة الإبداعية بأشكالها. لم أحقق كل الأهداف بل نصفها تقريبًا (إذا استثنيت الورش التي قدمتها كلها).

صوتي الإبداعي كممارسة لا حالة مؤقتة

كتبت بأشكال مختلفة. تدوين يومي ومذكرات، تدوينات رقمية، فصول من الكتاب وكتابة عشوائية لإفراغ رأسي. لم أكن متأكدة ١٠٠٪ من أيّ شيء. كان صوتي يظهر منتعشًا عندما أدوام على العودة للورقة والقلم ولوحة المفاتيح. الصوت الإبداعي لا يأتي من الثقة وحدها بل من التكرار والمراجعة والتعلم والمحاولة.

الاستمرارية أكثر إبداعًا من الإلهام

الإلهام جميل لكنّه غير مضمون! والاستمرارية من جهة أخرى تبدو أقل شاعرية منه لكنّا هي التي تبني العمل الحقيقي. كيف طوّعت مزاجي؟ وضعت نفسي في مكان يسمح للإبداع أن يزورني: جدول بسيط ووقت واضح للعمل وتوقعات واقعية. أحببت عبارة تقول: الإلهام ضيف، والاستمرارية هي البيت.

التخطيط الجيد لغة حبّ مع الذات

التخطيط للمشاريع الإبداعية يشعرني بأني أضع يدي في يدّ نسختي المستقبلية الأفضل. هناك مساحة للإبداع العفوي لكن في أوقات كثيرة أحتاج التركيز وبناء المخططات قبل وضع حرف في جملة جديدة. أفعلها مع ورش العمل مثلا، أو في المشاريع المستقلة التي انجزها لعميل. اتخفف بالتخطيط من صراعاتي الذاتية وشكّي لأن الصورة تصبح أوضح.

لا ينبغي تحويل كلّ فكرة جيدة إلى مشروعٍ كامل

الخفّة كانت جزء من مباهج هذه السنة. وانعكس الأمر على جوانب كثيرة من حياتي ومنها المشاريع الإبداعية والأفكار. اكتفي بالعمل على فكرة صغيرة وإطلاقها في الحياة حتى وإن لم تتبلور لمشروع متكامل الأطراف. وفي أحيانٍ كثيرة يعني ذلك كتابتها كملاحظة في دفتر “كلّ شيء” الذي استخدمه لجمع الأفكار والبذور لزراعتها مستقبلًا.

تجارب ممتعة = كتابة أكثر

عندما امتلأت أيامي بالتجارب والمغامرات والحركة أصبحت كتابتي أكثر امتلاءً. في نهاية اليوم أجلس لكتابة اليوميات وابتسم من تشعب الفكرة وعمقها أحيانًا. هذه السنة أيضا فاجأتني قراءاتي بعد انعدام شهية طويلة قرأت في مواضيع مختلفة وباللغتين العربية والإنجليزية. أثرت القراءات على كتابتي وأيامي وكأني استعدت صديقًا مفقودًا منذ سنوات!

 

المحور الثالث: الصحة، والطاقة، والجسد

تخففت هذه السنة من زيادة وزن “الرياض” هكذا أسميت التأثير الغريب الذي تركه الانتقال إلى مدينة كبيرة على جسدي ونفسيتي. ولأن علاقتي بجسدي تنعكس على ثقتي وهدوئي ومزاجي وحتى قدرتي على الإبداع سعدتُ كثيرًا بهذا التغيير.

يستجيب جسدي للإيقاع أكثر من الشدة

التغييرات الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى الشدّة بل تحتاج انتظامًا. حافظت على نومي في وقت محدد، وجبات في وقت واحد وحركة متكررة مستمرة بأشكال متعددة. تحسنت طاقتي وقدرتي على التحمل وقل تشتتي وشعوري بالذنب.

القوة شعور

البدء بتمرينات القوّة Strength Training عزز شعوري الداخلي بالقدرة. أنا قوية! ومع أنّ النتائج لم تظهر بسرعة لكني علمت أن التكرار والاستمرار ستظهر تقدّمي.

كل شيء أو لا شيء فكرة لا تخدمني!

كانت هذه الفكرة في الماضي سببًا رئيسيًا في توقفي عن التقدم. وهذه السنة تدربت على الاقتناع بفكرة القليل المفيد: قليل من الحركة المستمرة قليل من القراءة كل يوم قليل من الكتابة العميقة وقليل من الطهي الأسبوعي وتجهيز الوجبات. كل هذه الأفكار منعشة وتعطي انطباعًا حقيقيًا بالإنجاز!

الألم رسالة انتباه

ليس من الشجاعة تجاهل الألم. كلما شعرت به في مكانٍ في جسدي توقفت واستفسرت. احترمت نصائح الأطباء وحرصت على الاستشارة وتطبيق آليات التعافي لأني أريد جسدًا يحملني لسنوات لا نتائج ترضيني لأسبوعين.

قرارات أقل = تقدم أكبر

كلما بسّطت حياتي، تحسّن تقدمي: وجبات متكررة بدل الحيرة، تمارين محددة بدل التنقل، خطة أسبوعية واقعية بدل المثاليات. تقليل الصدام مع نفسي في اتخاذ قرارات يومية حرر ذهني وساعدني على التركيز في مجالات أخرى.

 

المحور الرابع: العلاقات

هذه السنة كانت بعلاقات أقلّ وفرص أفضل للقاءات ذات معنى.

العلاقات المناسبة تجعل الحياة أكثر هدوءًا

لا تتطلب العلاقات الجيدة نسخة أفضل من نفسي ومثالية مجهدة طوال الوقت. لا تطالبني بأداءٍ عالي أو قلق لاكتساب الرضا. كل ما تحتاجه حضور حقيقي وصدق واحترام للحدود وهذه الأسس التي أعدت من خلالها تأطير كل علاقاتي بلا استثناء.

التخفف من تبرير الذات

لطالما كنت الشخص الذي تعلم مهارة الكثير من التبرير والشرح لضمان أن يفهمه الآخرين. وكغيرها من السمات التي عشت معها طويلا احتاجت مني العمل على فعل العكس. العلاقات الجيدة الصحية لا تطلب مني كل هذا. بعض الأمور يكفي أن تقال ببساطة ووضوح والباقي ليس مسؤوليتي.

الاطمئنان يمنع سوء الفهم

والاطمئنان يولد من التواصل البسيط الدائم واللقاءات ذات المعنى. عندما تحدث هذه الأشياء في وقتها المناسب تحمي العلاقات من تراكم ما لا نقوله.

المحور الخامس: نمط العيش

هذا المحور كان خلاصة العام: كيف أبني حياة قابلة للعيش؟  حياة استمتع بها كلّ يوم واكتشف نفسي. وكيف أصنع نظامًا يخدمني بدل أن يضغطني؟

متابعة التقدم بعيدًا عن الهوس

تابعت نفسي بانتظام مع التركيز على المرونة والعفوية. أصبحت هذه المتابعة مرآة لطيفة أفهم من خلالها نفسي وتجاوبي مع التغيير. لم أطلق الأحكام عند حدوث الفوضى لأن التتبع يعطيني نتائج حقيقة. أعرف في كل مرة لماذا وصلت هذا المكان كل فعل له ردة فعل.

مساحة هادئة = ذهن هادئ

رتبت محيطي وتخففت وجردت مكتبتي وأوجدت مساحة للعمل تضيئها الشمس طوال النهار. الترتيب يقلل الضوضاء ويقول لجهازي العصبي أن كلّ شيء تحت السيطرة -حتى لو كانت فكرة أقولها لنفسي لتهدأ.

الوفاء بوعودٍ صغيرة غيّر كل شيء

كيف يبدو الوعد الصغير؟ تقديم موعد النوم ساعة، أو اختيار أيام محددة للعمل من المنزل والتسوق واللحاق بما يفوتني في صباحات العمل. أوفيت بوعدي بالكتابة يوميًا كل ليلة لتفريغ رأسي وقلبي ولبناء أرشيف أعود إليه لاحقًا.

 

هذه تدوينة طويلة مناسبة لنهاية العام!

كيف كانت سنتكم؟ وما هي الدروس التي ستحملونها معكم للعام القادم؟

 

.

.

.

٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.