دروس إبداعية من السيد سكورسيزي

شاهدتُ قبل نهاية ٢٠٢٥ سلسلة وثائقية عن صانع الأفلام الأمريكي مارتن سكورسيزي. خمس حلقات أخرجتها ريبيكا ميلر وعرضت أولا في مهرجان نيويورك للسينما ومن ثمّ رقميًا على منصة Apple Tv+  في أكتوبر ٢٠٢٥. كل جزء من السلسلة مدته حوالي الساعة وكانت عناوين الحلقات:

  • Stranger in strange land
  • All this filming isn’t healthy
  • Saint/Sinner
  • Total Cinema
  • Method Director

تركتني السلسلة مع كثير من التأملات والأفكار بالإضافة لإعجابي الشديد وحبّي السابق والقديم للمخرج. خرجت من المشاهدة بملاحظات أحببت مشاركتها في تدوينة سريعة!

حوّل قيودك إلى نوافذ للإنطلاق

عانى سكورسيزي في طفولته من الرّبو ولأجل ذلك بقي حبيسًا في غرفته لفتراتٍ طويلة. وكان عالمه الخارجي منظرًا متحركًا عبر النافذة. كانت نظرته العلوية على حيّ ليتل إيتالي النيويوركي اللمحة الأولى على مستقبله الفنّي. هيأته هذه التجربة الإنفرادية لرؤية العالم من خلال زوايا محدودة ومن هذه النظرة ظهرت عناصر أسلوبه البصري في سرد القصص وتطوّرت مهاراته في التقاط أدقّ التفاصيل.

صراعاتك الداخلية قد تغذي أفضل أعمالك

لا تغفل السلسلة شياطين سكورسيزي الشخصية، فالحلقة الثانية مثلا تتناول تعاطيه المخدرات التي كادت تنهي حياته بنهاية السبعينيات ميلادية. وشاهدنا معاناته مع الغضب والاكتئاب. في الحلقة نفسها تستذكر زوجته السابقة إيزابيلا روسيليني غضبه الذي منحه القدرة على التحمل لتجاوز فترات التصوير الصعبة. ويتحدث سكورسيزي عن معاناته ودور العلاج النفسي في إنقاذ حياته. من هذه المعاناة جاءت أفلامه صادقة وجريئة لأنه لا يخشى استكشاف أكثر جوانب التجربة الإنسانية ظلمة، بما فيها نفسه.

ابحث عن مبدعين يشاركونك رؤيتك

بنى سكورسيزي شراكات رائعة على امتداد حياته الإبداعية. من ممثلين لكتّاب لمنتجين ومحرّرين. وجسدت سيرته قوة التعاون مع شركاء إبداعيين مناسبين. هؤلاء هم الذين يرون رؤيته الإبداعية ويدعمون تحقيقها. فالنجاح بالنسبة لهم لا يتطلب الفردانية، بل يعززه التعاون وينعشه. هذا الدرس أيضًا يوضح أهمية الثقة التي تبنى مع الوقت وتتيح للمبدعين الجرأة على المجازفة والتجريب.

حافظ على فضولك واستمرّ في التعلم

تجاوز سكورسيزي اليوم عمر الثمانين وما زال شغوفًا بالعمل ومتشوقًا إليه. ومن يشاهد هذه السلسلة يشهد استمرارية فضوله ونهمه للتعلم. نشاهد أيضا تكييفه لأسلوبه الإخراجي مع أجيال متعاقبة من الممثلين ومنهم على سبيل المثال ليوناردو دي كابريو ودانييل داي لويس. إذا كان هناك نصيحة يمكننا التقاطها وتبنّيها: دراسة أعمال الرواد وإثراء الذائقة الفنيّة دائمًا. حقق سكورسيزي أصالته بالتعلم المستمر وهذا درسٌ لنا جميعًا.

تكرار المواضيع ليس فشلًا

يكرّر سكورسيزي عدة ثيمات في كلّ أفلامه تقريبًا: العنف والإيمان والأخلاق والسلطة والهوية. لم يكن ينظر لهذا التكرار بشكل سلبيّ. لكنه بطريقة ما كان يتعمق أكثر في الثيمات مع مرور الوقت والتجربة. وعندما أفكر بنفسي أجد أني لطالما كنت أبحث عن الجديد المختلف وهذا مجهد ومقلق أحيانًا. لكنّ العودة لمكانٍ مألوف وزيارته أكثر من مرة وطرح أسئلة مختلفة يعدني بشيءٍ جديد.

.

.

.

 

 

 

في وداع ٢٠٢٥

أحبّ هذه اللحظة من كلّ سنة. لحظة قلب الصفحة بعد الجلوس مع النفس وتأمّل كلّ ما فات وخصوصًا التدوينة التي كتبتها بحماس لبدء العام الماضي. ما الذي كنت أفكر فيه؟ وما توقعته من نفسي؟ ما هي التحديات واللحظات المفصلية التي أوشك على الاقتراب منها؟ كيف صبرت وناورت وتعلّمت؟ السنة الماضية فاجأتني بشكل غير متوقع، والمفاجآت فيها حدثت تدريجيًا وخالفت كلّ التوقعات. أكثر سنوات حياتي بهجة وغرابة وضبابية! فيها أدركت أن التغيير لا يعني إعادة ابتكار الذات أو قلب الحياة رأسًا على عقب. أحيانًا يأتي التغيير على هيئة التعامل بتوازن أكبر مع نفسي والتخلص من كلّ القيود المفتعلة ورميها من النافذة. وإذا كنت سألخص دروس أو أفكار مهمة من السنة ستكون كالتالي:

 

المحور الأول: الذات والحياة الداخلية

كان هذا المحور عمود السنة كلّها. ارتكازي واعتمادي وطاقتي كلها استمدها من حياتي الداخلية. عندما آمنت أن أي تغيير خارجي لا يستقر فعلا إلا باستقرار داخلي. كيف أتكلم مع نفسي؟ ما هي حدودي؟ وكيف أحسن علاقتي مع الوقت والضغوط والهدوء.

الوضوح يأتي مع الحركة لا قبلها!

اكتشفت أني كلما انتظرت لحظة كاملة مناسبة بوضوح كامل تأخرت عن الحركة والتنفيذ. كانت حياتي متوقفة على علامة أو إشارة منتظرة لن تأتي حتى تحققت أن الوضوح لا يسبق الخطوة بل يتشكّل معها. مع التجربة مع المحاولة ومع الأخطاء التي تعلمنا أكثر من أي نظرية. أي حركة مهما كانت بسيطة كانت أفضل من الدوران والحبس في نفس الدائرة.

الراحة كوقفة للصيانة، لا مكافأة

لسنوات طويلة تعاملت مع الراحة وكأنها جائزة أو مكافأة لا استحقها إلا بعد إنجاز أو تعبٍ شديد. وهذه السنة نقلتني إلى فكرة مختلفة: الراحة ليست ترفًا بل جزءا من نظامي المتكامل مثل شحن الأجهزة وإعادة تهيئتها. ما الذي تغير؟ لم أعد انتظر انتهاء البطارية تمامًا لأفكّر بالشحن. ما الذي حدث؟ صار ذهني أخفّ وقرارتي أوضح ومزاجي أقلّ تقلبًا.

متعة وضع الحدود

دائمًا ما ربطت قول “لا” بالقسوة! والمفاجأة أن الحياة علمتني تدريجيًا أن العكس صحيح. الحدود لم تقلل من لطفي، بل حمت لطفي من الاستنزاف. عندما تقول “لا” تفتح مساحة أوسع للمزيد من “نعم” التي تريدها. نعم للهدوء والوقت الخاص، والحضور الصادق بدلًا من الحضور المرهق.

اللطف لا يعني التواجد الدائم

أحيانًا نخلط بين الطيبة وبين التوفّر المستمر. هذا العام فهمت أن اللطف ليس أن أكون متاحة طول الوقت، بل أن أكون إنسانة حقيقية متوازنة في عطائي وقادرة على الاعتذار وقادرة على حماية نفسي. فالكرم بلا حدود يتحول إلى إرهاق والإرهاق يتحول إلى ضيق.

لست بحاجة إلى إذن لاختيار ما هو خير لي

كنت أكثر شخص أعرفه يبحث عن تأكيد لقراراته ويستشير الآخرين في أغلب قراراته حتى يتخفف من التردد. احتجت لسنوات عديدة للتخلص من هذه المعضلة. وجزء من عملي على هذه المشكلة هي تذكر ثقتي بحدسي وذائقتي وما أعرفه في الحياة. كل هذه الأمور كافية لاتخاذ قرار مناسب في اللحظة المناسبة. وماذا اكتسبت كإضافة؟ قلت حاجتي للتبرير بعد كل قرار.

 

المحور الثاني: الإبداع، والكتابة، والتعلّم

وضعت أهدافًا كثيرة لهذا المحور وضحكت من حماسي عندما غرقت في منعطفات السنة المدهشة! ٥٢ تدوينة أو أكثر، كتابي الأول في الأسواق قبل ديسمبر، و٦ ورش عمل متخصصة في الكتابة الإبداعية بأشكالها. لم أحقق كل الأهداف بل نصفها تقريبًا (إذا استثنيت الورش التي قدمتها كلها).

صوتي الإبداعي كممارسة لا حالة مؤقتة

كتبت بأشكال مختلفة. تدوين يومي ومذكرات، تدوينات رقمية، فصول من الكتاب وكتابة عشوائية لإفراغ رأسي. لم أكن متأكدة ١٠٠٪ من أيّ شيء. كان صوتي يظهر منتعشًا عندما أدوام على العودة للورقة والقلم ولوحة المفاتيح. الصوت الإبداعي لا يأتي من الثقة وحدها بل من التكرار والمراجعة والتعلم والمحاولة.

الاستمرارية أكثر إبداعًا من الإلهام

الإلهام جميل لكنّه غير مضمون! والاستمرارية من جهة أخرى تبدو أقل شاعرية منه لكنّا هي التي تبني العمل الحقيقي. كيف طوّعت مزاجي؟ وضعت نفسي في مكان يسمح للإبداع أن يزورني: جدول بسيط ووقت واضح للعمل وتوقعات واقعية. أحببت عبارة تقول: الإلهام ضيف، والاستمرارية هي البيت.

التخطيط الجيد لغة حبّ مع الذات

التخطيط للمشاريع الإبداعية يشعرني بأني أضع يدي في يدّ نسختي المستقبلية الأفضل. هناك مساحة للإبداع العفوي لكن في أوقات كثيرة أحتاج التركيز وبناء المخططات قبل وضع حرف في جملة جديدة. أفعلها مع ورش العمل مثلا، أو في المشاريع المستقلة التي انجزها لعميل. اتخفف بالتخطيط من صراعاتي الذاتية وشكّي لأن الصورة تصبح أوضح.

لا ينبغي تحويل كلّ فكرة جيدة إلى مشروعٍ كامل

الخفّة كانت جزء من مباهج هذه السنة. وانعكس الأمر على جوانب كثيرة من حياتي ومنها المشاريع الإبداعية والأفكار. اكتفي بالعمل على فكرة صغيرة وإطلاقها في الحياة حتى وإن لم تتبلور لمشروع متكامل الأطراف. وفي أحيانٍ كثيرة يعني ذلك كتابتها كملاحظة في دفتر “كلّ شيء” الذي استخدمه لجمع الأفكار والبذور لزراعتها مستقبلًا.

تجارب ممتعة = كتابة أكثر

عندما امتلأت أيامي بالتجارب والمغامرات والحركة أصبحت كتابتي أكثر امتلاءً. في نهاية اليوم أجلس لكتابة اليوميات وابتسم من تشعب الفكرة وعمقها أحيانًا. هذه السنة أيضا فاجأتني قراءاتي بعد انعدام شهية طويلة قرأت في مواضيع مختلفة وباللغتين العربية والإنجليزية. أثرت القراءات على كتابتي وأيامي وكأني استعدت صديقًا مفقودًا منذ سنوات!

 

المحور الثالث: الصحة، والطاقة، والجسد

تخففت هذه السنة من زيادة وزن “الرياض” هكذا أسميت التأثير الغريب الذي تركه الانتقال إلى مدينة كبيرة على جسدي ونفسيتي. ولأن علاقتي بجسدي تنعكس على ثقتي وهدوئي ومزاجي وحتى قدرتي على الإبداع سعدتُ كثيرًا بهذا التغيير.

يستجيب جسدي للإيقاع أكثر من الشدة

التغييرات الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى الشدّة بل تحتاج انتظامًا. حافظت على نومي في وقت محدد، وجبات في وقت واحد وحركة متكررة مستمرة بأشكال متعددة. تحسنت طاقتي وقدرتي على التحمل وقل تشتتي وشعوري بالذنب.

القوة شعور

البدء بتمرينات القوّة Strength Training عزز شعوري الداخلي بالقدرة. أنا قوية! ومع أنّ النتائج لم تظهر بسرعة لكني علمت أن التكرار والاستمرار ستظهر تقدّمي.

كل شيء أو لا شيء فكرة لا تخدمني!

كانت هذه الفكرة في الماضي سببًا رئيسيًا في توقفي عن التقدم. وهذه السنة تدربت على الاقتناع بفكرة القليل المفيد: قليل من الحركة المستمرة قليل من القراءة كل يوم قليل من الكتابة العميقة وقليل من الطهي الأسبوعي وتجهيز الوجبات. كل هذه الأفكار منعشة وتعطي انطباعًا حقيقيًا بالإنجاز!

الألم رسالة انتباه

ليس من الشجاعة تجاهل الألم. كلما شعرت به في مكانٍ في جسدي توقفت واستفسرت. احترمت نصائح الأطباء وحرصت على الاستشارة وتطبيق آليات التعافي لأني أريد جسدًا يحملني لسنوات لا نتائج ترضيني لأسبوعين.

قرارات أقل = تقدم أكبر

كلما بسّطت حياتي، تحسّن تقدمي: وجبات متكررة بدل الحيرة، تمارين محددة بدل التنقل، خطة أسبوعية واقعية بدل المثاليات. تقليل الصدام مع نفسي في اتخاذ قرارات يومية حرر ذهني وساعدني على التركيز في مجالات أخرى.

 

المحور الرابع: العلاقات

هذه السنة كانت بعلاقات أقلّ وفرص أفضل للقاءات ذات معنى.

العلاقات المناسبة تجعل الحياة أكثر هدوءًا

لا تتطلب العلاقات الجيدة نسخة أفضل من نفسي ومثالية مجهدة طوال الوقت. لا تطالبني بأداءٍ عالي أو قلق لاكتساب الرضا. كل ما تحتاجه حضور حقيقي وصدق واحترام للحدود وهذه الأسس التي أعدت من خلالها تأطير كل علاقاتي بلا استثناء.

التخفف من تبرير الذات

لطالما كنت الشخص الذي تعلم مهارة الكثير من التبرير والشرح لضمان أن يفهمه الآخرين. وكغيرها من السمات التي عشت معها طويلا احتاجت مني العمل على فعل العكس. العلاقات الجيدة الصحية لا تطلب مني كل هذا. بعض الأمور يكفي أن تقال ببساطة ووضوح والباقي ليس مسؤوليتي.

الاطمئنان يمنع سوء الفهم

والاطمئنان يولد من التواصل البسيط الدائم واللقاءات ذات المعنى. عندما تحدث هذه الأشياء في وقتها المناسب تحمي العلاقات من تراكم ما لا نقوله.

المحور الخامس: نمط العيش

هذا المحور كان خلاصة العام: كيف أبني حياة قابلة للعيش؟  حياة استمتع بها كلّ يوم واكتشف نفسي. وكيف أصنع نظامًا يخدمني بدل أن يضغطني؟

متابعة التقدم بعيدًا عن الهوس

تابعت نفسي بانتظام مع التركيز على المرونة والعفوية. أصبحت هذه المتابعة مرآة لطيفة أفهم من خلالها نفسي وتجاوبي مع التغيير. لم أطلق الأحكام عند حدوث الفوضى لأن التتبع يعطيني نتائج حقيقة. أعرف في كل مرة لماذا وصلت هذا المكان كل فعل له ردة فعل.

مساحة هادئة = ذهن هادئ

رتبت محيطي وتخففت وجردت مكتبتي وأوجدت مساحة للعمل تضيئها الشمس طوال النهار. الترتيب يقلل الضوضاء ويقول لجهازي العصبي أن كلّ شيء تحت السيطرة -حتى لو كانت فكرة أقولها لنفسي لتهدأ.

الوفاء بوعودٍ صغيرة غيّر كل شيء

كيف يبدو الوعد الصغير؟ تقديم موعد النوم ساعة، أو اختيار أيام محددة للعمل من المنزل والتسوق واللحاق بما يفوتني في صباحات العمل. أوفيت بوعدي بالكتابة يوميًا كل ليلة لتفريغ رأسي وقلبي ولبناء أرشيف أعود إليه لاحقًا.

 

هذه تدوينة طويلة مناسبة لنهاية العام!

كيف كانت سنتكم؟ وما هي الدروس التي ستحملونها معكم للعام القادم؟

 

.

.

.

٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.

 

٢١| عشوائيات للخميس

بدأت الأسبوع بخطة طموحة وكتبتها علنًا على حسابي في انستقرام. قلت طموحة لأني متأكدة من شكل الأسابيع نحو نهاية العام. خططت لزيارة معرض فني مع أختي وكتابة تدوينتين بالإضافة لأهداف أخرى. أنهيت رواية انجليزية طويلة وهذا جديد بعد سنوات من القراءات المتقطعة. قدرتي على قراءة الروايات بلغة غير العربية تضاءلت واخترت دائما كتبًا بمواضيع متنوعة واقعية وخفيفة.

أحبّ هذا الوقت من العام وفيه اكتشف تدريجيًا ما هي العادات التي سأتبناها في العام الجديد. أبدأ تدريجيًا من سبتمبر وصولًا إلى يناير. ومثلما أقرر وجهات السفر والقراءات القادمة والمشاريع الإبداعية التي سأنفذها، أبدأ باختيار عاداتٍ صغيرة أمررها في أيامي.

اخترت العمل من المنزل يوم الخميس لتفعيل نهاية الأسبوع الطويلة وترتيب مكتبي المنزلي. بعد مقاومة طويلة من جديد صنعت مساحة عمل في المنزل بالإضافة للمكتبة والنادي. الشيء الجميل الذي فعلته هذه المرة هو العمل ببطء. لم اشترِ كلّ شيء في نفس الوقت ولم أجهد نفسي بترتيب المكان في نهاية أسبوع واحدة.

بدأت الخطة بجرد مكتبتي جردة عظيمة وتخففت فيها من مئات الكتب التي جمعتها على مدى العشرين سنة الماضية. قضيت أيامًا طويلة في التصفح والتأمل. لم أتوقع أن تغمرني كل هذه المشاعر خلال العمل. امتدت نهاية الأسبوع إلى أسابيع وانتهيت منها أخيرًا بعد شهر ونصف. جمعتها في صناديق وتبرّعت بها لمكتبة سلوى للكتب المستعملة في الرياض. ومجموعة أخرى ذهبت للصديقات.

في الكتب إهداءات وقصص وشخصيات مختلفة كنتها في وقتٍ ما. أقلب الصفحات ولا أجد نفسي.  أجد شخصًا حاولت أن أكونه في وقتٍ إما بسبب اهتمام مؤقت أو توصية وثقت بها ولم تناسبني. حملت هذه الكتب معي بيت لآخر -من مدينة لأخرى! والمحصلة؟ امسح عنها الغبار وأكدّسها على أمل امتلاك الشهية لاكتشافها أو إكمال قراءتها يومًا ما.

انتهيت من جرد المكتبة وقررت في تلك اللحظة ألا اتبع أي خطة قرائية مطولة وأن اختار الكتب للترفيه وشهيتي القرائية فقط. أعدت بناء الفراغات التي تركتها الجردة العظيمة بكتب جديدة ورؤية مختلفة لمفضلاتي. مزيج من الكلاسيكيات القديمة والمؤلفات المعاصرة في مواضيع مختلفة، من القرطاسية للقطط للمدن الحاضنة للفنّ.

جهّزت زاوية المكتبة برفوف خفيفة بيضاء جاهزة لكتابة قصص جديدة. وتفرّغت للجهة المقابلة للرفوف: النادي المنزلي. تخففت من الأجهزة عديمة الفائدة. حدثت رفوف التخزين وتخلصت من كلّ غرض بلا مهمة.  نخطئ بتخيل احتياجنا للمقتنيات ونتجاهل التخفف لسببٍ خفيّ. أظنه نفسي أكثر من أي شيء آخر فالحقيقة أني لا أريد التخفف من أشياء ظننت يومًا ما أني لا اتقن العمل أو العيش بدونها. تمامًا مثل كتب المكتبة.

انجزت المهمة الثانية ونظرت للمساحة الواسعة التي تبعت الترتيب وتذكرت أنا بحاجة للعودة لهواياتنا المنسية وابتكار مسار للعمل والتفكير بتركيز. لا أريد أن استمر بكتابة كتابي في مساحة ضيقة أو بين الصحو والنوم على سريري. أريد أن أفعل كلّ شيء بتركيز وانتباه. أن انتظم من جديد بعد سنواتٍ من الفوضى.

هل سيغير هذا المكتب الأبيض حياتي؟ لا. هل سيساعدني في رحلة التغيير؟ نعم بالتأكيد. وهكذا أتممت طلب المكتب وكرسيين مريحين لي ولأختي. وقطعة سجاد لطيفة تخفف من صدى المكان.

هذا الأسبوع التقينا كل يوم بعد نهاية العمل على مكتبنا هذا وشربنا القهوة وتصفحنا البريد الالكتروني وتبادلنا الأفكار لمشاريع قادمة. تأكدت حينها من نجاح الفكرة. مساحة محايدة خارج غرفنا الشخصية ومكان للتفكير والاحتفاء بنهاية الأسبوع.

وربما أضفت بهذه الطريقة عاداتي اليومية في مكانٍ واحد. أريد أن أقرأ للترفيه والاكتشاف، وأريد أن اتمرن، وأن أشاهد حلقة جديدة من مسلسل مفضل وكل هذا بلا ترتيب محددّ.

أحبّ الشتاء في مدينتي وأحبّ انتعاشي وانسجامي مع تبدل الجو. اتشجع للخروج من المنزل عدة مرات في الأسبوع وأميل للتمدد والكسل في نهايته.

بدأت هذه التدوينة وفي ذهني الكتابة عن تحديثات الحياة وما الذي أطمح لتحقيقه خلال الأشهر القادمة. واستطردت كالعادة. وسأفعلها دائمًا.

وجدت في كومة القرطاسية خلال الجرد مذكرة غلافها لوحة لمونيه. وفي الصفحات الأولى دروس اللغة الفرنسية مع ملاحظات وترجمة. في الصفحة الأولى من المذكرة كتبت تعهدًا ظريفًا:

في مايو ٢٠٢٠

خلال منع التجول للحدّ من انتشار فيروس كورونا قررت البدء بتعلم الفرنسية.

مع الالتزام التام والتركيز.

ضحكت من التعهد وتذكرت الفترة. كانت نفس السنة التي قررت فيها تعلم القيادة وأيضًا تعهدت لنفسي بالالتزام والتركيز. لكن الهدف تأجل لأسباب كثيرة حتى بداية هذا العام. أحبّ التعلم وأنوي العودة لتعلم لغة ثالثة لستُ أكيدة منها بعد. وفي سياق التعلم المستمر تذكرت منتصف هذا العام حين بدأت مقررًا مطولا عن الاستراتيجية مع جامعة أكسفورد وندمت واحتفلت وأُنهكت من كثرة الواجبات والالتزام. وقلت لنفسي لن أفعلها مجددًا وإذا أردت التعلم سأختار مقررًا قصيرًا بلا مهامّ مجهدة.

حسنًا، في منتصف الشهر الماضي سجلت في مقرر جديد لشهادة مهنية احتاج أربعة أشهر لإتمامه بواجبات وقراءات ومهامّ. اشتعلت بداخلي شهية التعلم من جديد وأظن أن القاسم المشترك في كلّ هذا هو محاولتي للتركيز والالتزام. أحاول الآن ختم هذه التدوينة قبل خروجي لموعد مع أختي وصديقة عزيزة.

أتمنى لكم نهاية أسبوع سعيدة وغنيّة!

.

.

.

٢٠ | مخرج النسيان

لا أتحدث عن الانتقام، ولا عن المغفرة؛ النسيان هو الانتقام الوحيد والمغفرة الوحيدة.”
خورخي لويس بورخيس

 تمرّ بنا جملة أحيانًا جملة تشبه المرآة. لا نرى فيها أحدًا غير أنفسنا ولا نسمع منها إلا ما كنّا نحتاج الاستماع إليه منذ زمن. كان اقتباس بورخيس هذا من الجمل التي لامست شيئًا عميقًا بداخلي.

ما إن تنتهي قصة ما أيًا كانت تترك فراغًا صغيرًا في الداخل. فراغ لا يملؤه البكاء ولا الحديث. وتبدأ رحلة محاولة الفهم وإعادة ترتيب القصة. نريد أن نفهم كيف تحوّل الدفء الغامر إلى مسافة باردة؟ وبين الأسئلة تبرز الذكرى وكأنّ حملها معنا واجبًا. نحاول أن نغفر أو نغضب أو ننتقم. نريد أن نشعر بشيء. أيّ شيء يردم هذا الفراغ المفتوح. وما لا نفهمه في البداية أن الشفاء لا يأتي من المواجهة، بل من التوقف. من لحظة هادئة يتوقف فيها القلب عن المقاومة والأسئلة ويترك الأشياء على حالها. لحظة لا يقرر فيها الانتقام ولا يسعى فيها للمغفرة بل يكتفي بأن ينسى.

لكن النسيان لا يحدث دفعة واحدة! -وددت لو كان الأمر كذلك. لا يشبه بابًا يغلق فورًا بل الضوء حين ينسحب ببطء من الغرفة. تبهت الأشياء والتفاصيل. أحبّ النسيان في هذه الحالة عفويّ وهادئ وقد يكون برأيي الوجه الآخر من التسليم.

بورخيس في هذا الاقتباس لا يتحدث عن محو الذكريات المتعمّد بل عن شفاء الذاكرة من ثقلها. النسيان هو أن نكف عن إعادة المشهد في عقولنا وأن نتوقف عن مراجعة الأحداث واجترارها لإيجاد اللحظة التي تداعى فيها كل شيء.

حين ننسى لا ننتصر على أحد بل نتوقف عن القتال. لا ننسى الأشخاص والمواقف بقدر ما ننسى الصوت الباقي فينا. نتوقف عن سماع الأسئلة التي لا جواب لها، وعن البحث عن نهاية منصفة. يصبح الماضي مجرد فصلٍ في كتاب طويل نقرأه دون أن نتوقف عنده.

ومع الوقت تولد لحظة سحرية! تستيقظ ذات صباح وتدرك أن ما كان يؤلمك لم يعد له وجود وحتى الندبة العميقة تلاشت بنفسها. هذا هو النسيان الذي قصده بورخيس، النسيان الذي لا يمحو شيئًا بل يعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. شهدت حقيقة هذه اللحظة قبل عدة أشهر، وكل عدة أشهر تختفي ذكرى وظيفة قديمة أو علاقة انتهت أو صديقة غابت. اختفت التواريخ واللحظات المفصلية فجأة.

النسيان هنا ليس ضعفًا في الذاكرة بل إعادة ترتيب، أحمل القصة وأضعها في رفّ خلفي أو اتخلص منها تمامًا كما تخلصت من الهدايا والبطاقات والرسائل والصور. لم أعد أخشى التذكّر فالماضي ليس عدوي والحنين لا يشكل أيّ خطر.  النسيان هو لحظة تصالح مع الزمن ومع نفسي ومع ما لم أعد احتاجه. إنه السلام الذي يأتي متأخرًا لكنه حين يأتي يعلّمنا أن الحياة تمضي، وأننا نمضي معها بقلوبٍ أكثر لطفًا وأرواحٍ أخفّ وذاكرة تبتسم.

.

.

.