(أ)
كنت أفكّر قبل عدة أيام باقتباس مررت به يقول: don’t outsource your aliveness to external events. والترجمة الحرفية “لا تسلّم معيشتك بالكامل للأحداث الخارجية” تذكير بسيط وواضح ولا يحتاج لكثير من التأمل. لكنّه تمكن منّي وخصصت له التدوين العشوائي في مذكرتي اليومية.
الأمر مرتبط بشعوري الغريب بعد عودتي من عطلة قصيرة وممتعة ومتعبة في نفس الوقت. كنت أنتظرها واستعد لها وعلقت عليها الأمنيات بالعودة منتعشة وجاهزة للانطلاق في صيفٍ طويل وساخن! لقد سلمت مشاعري بالكامل في انتظار الساعات الأولى من السفر والوصول والفعاليات اليومية التي خططت لها مع أختي الصغرى.
وهذا الانتظار جزء من انتظارات تالية -طبعا-: العودة واليوم الأول من العمل والمكان بعد العودة والأهداف المنشودة. ولكن لماذا وكيف أسلّم إحساسي بالحيوية والحماس لأشياء خارجة عن إرادتي؟ لماذا وقعت في فخ الفكرة: بمجرد حدوث كذا وكذا، سأشعر بالحياة والانتعاش من جديد. الطريف في الأمر أني خلال رحلتي شاهدت فيديو لصانعة محتوى على يوتوب وقالت بالحرف: توقف عن انتظار حياتك التي تحدث نهاية الأسبوع واستعد معيشتك اليومية. فكرت في كلامها وأصدرت حكمًا صغيرًا: من الذي يفعل هذا؟ أتمنى أني لا أفعل نفس الشيء الآن!
الوعي طبعًا أول خطوة لعلاج المشكلة – لا أدري إذا أصبحت هذه مشكلة فعلًا أو كانت شعور مؤقت. أعرف يقينًا أني لستُ في ركض دائم خلف الدوبامين على العكس أميل للتخفف منه ما استطعت وكلما كانت الحياة أشبه بأفعوانية جامحة كلما بحثت عن شيء اتمسك به لأهدأ.
يهمّني أيضًا أن أكون منصفة تجاه الأحداث الخارجية والتغيرات المدهشة والمفاجئة. فقد تفتح مدينة ما آفاقا جديدة بداخلي، أو تنعش لوحة فنية ذاكرتي تجاه أمرٍ تجاهلته وحان وقت الرجوع إليه. إننا نلين وترقّ قلوبنا لهذه اللحظات ويعيدنا الجمال إلى وعيٍ أفضل بأنفسنا. لا بأس في التأثر أو الغرق في عطلة قصيرة لكن المشكلة عندما يصبح العالم الخارجي والعطلات المؤقتة هي المصدر الوحيد لحيوية حياتنا.
ما الذي نصنعه إذا عدنا لمساحتنا المألوفة؟ هنا المحكّ. هذا اليوم العادي الغارق في عاديته هو اللحظات الحقيقية وليس فاصل انتظار لبدء العيش من جديد. لذلك أحرص دائمًا على العودة سريعًا لروتيني بعد العطلة. تفريغ الحقائب والذاكرة الرقمية للصور والتسوق لوجبات الأسبوع القادم واختيار كتاب جديد للقراءة.
هذا أكبر احتفاء بالمتعة وامتداد لأثرها. الشمعة التي اخترتها في محل صغير في باريس وجدت مكانها على رفّ الكتب وغمرتني رائحتها في ليلتي الأولى في غرفتي. حذائي الجديد وأقراطي وعطر الصيف كلها امتداد لأيامي القليلة التي قضيتها هناك. وهنا أتذكر بأني لا أرفض المتعة أو الجمال أو السفر أو الاحتفال بل لا أعوّل عليها كثيرًا -أكثر مما يجب- وأضع عليها مسؤولية إنقاذي من ورطة التبلد أو الضجر. هذه الأحداث اللطيفة تثري حياتي وتمتد لتختبئ في ذاكرتي.
(ب)
في سياق منفصل مررت بمجموعة أسئلة ممتعة وجاءت في توقيت مناسب لتذكّرني بأولوياتي عندما يتعلق الأمر بالتسوق أو شراء شيء من قائمة الأمنيات. اطرح ثلاث أسئلة على نفسي لأتخذ القرار المناسب:
- هل سأرغب في اقتناء هذا الشيء لو توقّف الجميع عن اقتنائه؟ (هذا السؤال مفيد عند شراء قطعة ملابس أو اكسسوارات تجد رواجًا في فترة قصيرة وأشكّ أني متأثرة بسلوك الآخرين حينها)
- هل يتناسب مع خمسة أشياء على الأقل أملكها في خزانتي؟
- هل أتخيل نفسي أرتديه بعد عشر سنوات من الآن؟
(ج)
تجربة زيارة المدن في أجواء مختلفة يغير الخطط، ولكنها يفتح الباب للفضول والاكتشاف. فوجئنا أنا واختي بأن الربيع تحول إلى صيف خانق في باريس. وفي سابقة تاريخية ارتفعت درجات الحرارة إلى منتصف الثلاثينات مئوية! لم أذهب في جولات المشي الطويلة التي خططت لها لكن بحثت أكثر في أنشطة داخلية يمكننا القيام بها بالإضافة للتسوق. في المتاحف اخترنا الذهاب في نهاية يوم العمل ولمتحف اللوفر اخترنا شراء التذاكر في الأيام التي يقفل المتحف أبوابه في التاسعة مساء. الشمس كانت تغرب حوالي التاسعة والنصف إلى قبل العاشرة بقليل وهذا يعني أن المباني حتى وإن كانت مكيّفة ستكون خانقة.
في متحف أورساي زرنا معرضًا مؤقتًا للفنان بيير أوغست رينوار (١٧ مارس – ١٩ يوليو ٢٠٢٦) والمعرض يستكشف كيف صوّر الفنان الحب والعلاقات في أعماله من منتصف ستينيات القرن التاسع عشر وصولًا للثمانينيات. تصوّر الأعمال الحبّ في المقاهي والحدائق والمسارح وقاعات الرقص ويضم مجموعة من أهم روائع المدرسة الانطباعية. استمتعت بالمعرض كثيرًا، وحتى حصة التي تذكرني دائمًا بأنها لا تفضل المدرسة الانطباعية، وجدت لوحات تعجبها وتثير اهتمامها. وهناك خبر جيد عرفته منذ عدة أيام، هذا المعرض سيسافر إلى لندن -المتحف الوطني تحديدًا- وسيعرض في الفترة بين (٣ أكتوبر ٢٠٢٦- ٣١ يناير ٢٠٢٧).
في رحلة العيد أيضًا زرت معرض هنري ماتيس في غراند بالاي (٢٤ مارس – ٢٦ يوليو ٢٠٢٦) هذا المعرض المؤقت يسلط الضوء على العقد الأخير من مسيرة ماتيس الفنية. بالتحديد من ١٩٤١ إلى ١٩٥٤ م. في المعرض أكثر من ٣٠٠ عمل فنّي متنوع. يشمل لوحات ورسومات وقصاصات وكتب مصورة ومنسوجات وزجاج معشّق. شعرت بكل تحولات ماتيس في هذا العرض المتكامل! لقد تغيرت لغة ماتيس البصرية لتجمع بين المواد وطرق التنفيذ وذكّرني بأن الوقت لا يتأخر أبدًا على إعادة اختراع نفسك.
(د)
أتطلع للقيام بالكثير من الأشياء خلال الصيف بعد إنجاز المقرر الدراسي الذي أدرسه حاليًا مع جامعة أكسفورد: «فنّ عصر النهضة في إيطاليا». المقرر ممتع وغنيّ وفيه الكثير من القراءات والزوايا التي لم التفت لها من قبل. شاهدت الكثير من الوثائقيات وحضرت المعارض لكن لا شيء يشبه الدراسة المتعمقة والقراءة المتخصصة. بدأت الاهتمام بالموضوع بعد رحلتي لفلورنسا العام الماضي. شيء ما استيقظ في إيطاليا ولم اكتف بعد من اكتشافه.
في قائمتي القصيرة:
- مواضيع للتدوين البطيء والتأمل.
- تسجيل مزيد من اليوميات المصوّرة على انستقرام (شيء جديد أحببته مع هذا العام).
- إتمام رباعية نابولي لإيلينا فيراتني – والحديث عنها بالتأكيد فقد صنعت العجائب بمشاعري!
- مربّى صيفي بنكهات متنوعة.
- صناعة آيس كريم منزلي، وربما شراء ماكينة الآيس كريم؟
- أمسيات رسم بورتريه عفوية مع قريباتي!
- تجربة وصفة جديدة من كتب وصفات المنزل كلّ أسبوع.
- زيارة مكتبة عامة في مدينتي.
.
.
.